987

ثم انتقل والده الضياء إلى رحمة الله تعالى في ضحوة يوم الجمعة ثالث شهر ذي الحجة الحرام سنة ألف ومائة وستة وأربعين فحزن ولده عليه حزنا شديدا ورثاه بقصيدتين بديعتين واستمر البدر في سماء شهارة طالعا يهتدي بأنواره كل من كان للحق طائعا باذلا نفسه ونفيسه في مرضاة الرب تعالى، صارفا أوقاته في التأليف والتدريس، كاشفا عن وجوه خرايد الفوائد نقاب التدليس والتلبيس ملاذا للقاصدين، وعياذ إلى أمة من المظلومين والمنصور بالله مبالغ في دخوله حتى قدر الله تعالى وصوله صنعاء، فوصل إليه من الإمام الأمان مؤكدا بخط يده بمغلظات الأيمان، فارتحل منها في تاسع شهر صفر سنة ثمان وأربعين ومائة وألف، وسر بقدومه صنعاء الخاص والعام وكادت تطير من الفرح بوصوله قلوب العلماء الأعلام، ودخل على الإمام وانتظم في سلك المودة أي انتظام، وأقام في مجالس التدريس والفتيا والإفادة، والدعاء إلى الله تعالى ونشر السنة النبوية، وعرض عليه الإمام كثيرا من المناصب فأبى الدخول في شيء منها لعلمه بما يؤول إليه صاحبها من المعاطب، وكان يخطب في بعض الجمع في جامع الروضة فيقرع بزواجر وعظة قلوب الحاضرين، ولما توفي خطيب جامع صنعاء وهو القاضي العلامة الأديب أحمد بن محمد الحيمي رحمه الله تعالى عرض المنصور بالله على البدر الخطاب فرأها البدر من تبليغ الأحكام والإرشاد الذي يجب على العلماء الأعلام[65أ-ب] فخطب من شهر ذي القعدة سنة ألف ومائة وواحد وخمسين(1)، وبحسن خطبته وموقعها في القلوب ولطف سلوكه وطريقته يضرب المثل إلى الآن، وجميع الخطباء [ 268ج] بعده إنما هم عالة عليه في خطبهم وكيف طرقهم بل لا يخطبون إلا بخطبته لا يغيرون منها شيئا، وكتب إليه الفقيه الأديب أحمد بن حسين الرقيحي رحمه الله قوله:

لقد قام الأمير بنا خطيبا ... مواعظه ثبت عرى الشقاق

كأن محمد فينا علي ... بميدان البلاغة في السباق

Página 249