609

أيليق بشكية اللسان أن تجاري في ملاعب الآداب سباق الفصاحة، وهل يحسن أن يباهي ببنات فكره الوحشية، ما جلته الفكر السليمة في اللطف قوالب الرشاقة والصباحة، أم يعد من جفى الربع الدارس أن لا يرجع عنه الصدى، وفي نجل من دعاه الكرام أن يجيب الندى، كيف ولا قد أهله للدعوة إلى المفاكهة الأدبية أعلى الأعلام شأوا، وأسماهم نبلا ورفعة إلى الذروة، للابتداء عنه ضمه إلى سلك الأدباء قدرا ومحلا، أفلا ينتصب للإجابة التي أهل لها وهو المناد المضاف، ويتصدى للكتابة وقد شمله جد الإنسانية، نقص المكاتبة الذي لا شبهة فيه ولا خلاف هو ذاك، وإن كان في تصديك لذلك مسيئة من ركبك حجاك، وفي تساميك إلى هنالك ما يقال عنده هلا نهاك نهاك، فامتثال الأمر كما يقال أولى من مراعات مقام الأدب، وليس يعاب التمتام عند إتيانه بما وجب، فليصدح عن منقار القلم طائر فكرك، وليسرح في مراتع الكرم حائر شعرك، حامدا لمن أباح لنا ارتشاف سلاف المعاني البديعة في رياض الأدب، ولم يحرم ترويح الأرواح بها كما حرم الله العنب، مصليا مسلما على من روينا عنه إن من البيان لسحرا، وآله مصاقع البلغاء، ومصابح الأولى والأخرى، مؤديا من التسليم ما يهزأ بالنسمات الشعرية لطفه، ويغير النفحات المسكية عرفه، تحية لمقام فخر المجد والمعالي، شمس المعارف المجلوة من سماء الفخر في أشرف المجال، روض اللطف الذي باكرته من الحيا سمات الولي، مولانا وجيه الإسلام عبد الرحمن بن علي، دامت على روض لطفه ديم الألطاف الربانية، ولا زال أوج مجده محروس بعين العناية الرحمانية.

وبعد فإنه لما سنح الآن بعد تمادي البعاد قرب المزار، وسمح الزمان بعد طول التنائي بتداني الديار، ولاحت من تباشير صباح اللقا أنوارها، وتناجت في أغصان رياض الأماني أطيارها، وأنا من الشوق الذي نشره يومي وطوى عليه أمسي، أتمثل في هذه الحالة بقول الفاضل العنسي:

قرب المزار وما حظيت بوصله ... فكأنني والحب ثغر أفرق

Página 213