Soplos de Rayhana
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة
وقد ألف الثعالبي، وابن رشيق في ذلك. قال ابن رشيق: أكثر ما تجري هذه المحامد والمذام على جهة المسامحة، لا من باب المشاححة؛ وإلا فالشيء لا يوافق ضده، فيكون الحسن قبيحًا والقبيح حسنًا في حالٍ واحدة لمعنى واحد، لكن لكل شيءٍ كما ذكر الجاحظ مساوٍ ومحاسن، كما فعل عمرو بن الأهتم بين يدي رسول الله ﷺ، وقد استشهده الزبرقان ابن بدر على ما ادعاه من الشرف في قومه.
قال عمرو: أجل يا رسول الله، إنه مانع حوزته، مطاعٌ في أدنيه، شديد العارضة.
فقال الزبرقان: أما والله لقد علم أكثر مما قال، ولكن حسدني وشرفي.
قال عمرو: أما وقد قال ما قال، فوالله ما علمته إلا ضيق العطن، زمر المروءة، لئيم الخال، حديث الغنى.
فرأى الكراهة في عين النبي ﷺ لما اختلف قوله، فقال: يا رسول الله، رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وما كذبت في الأولى ولا قد صدقت في الثانية.
فقال النبي ﷺ: " إن من البيان لسحرًا، وإنَّ من الشعر لحكمةً ".
ولقد أحسن ابن الرومي، حيث قال:
في زخرفِ القولِ تزيينٌ لباطلهِ ... والحقُّ قد يعتريهِ بعضُ تغييرِ
تقولُ هذا مجاجُ النَّحلِ تمدحهُ ... وأن تعبْ قلتَ ذا قيءُ الزَّنابيرِ
مدحًا وذمًّا وما جاوزتَ حدَّهما ... سحرُ البيانِ يُري الظلماءَ في النُّورِ
عبد الباقي بن أحمد، المعروف بابن السَّمَّان زهرة النَّاظر المتنشِّق، وزهرة المجتلِي المتعشِّق.
مسَحتْ خلالُ قذى العيون؛ فما رأته إلا وهي نقيَّة الجفون. تتستَّر الملاحةُ في غلائله، وتتقطَّر الرَّجاجةُ من شمائله.
يَعشقُه من كمالِه غَدُهُ ... ويكثِر الوجدَ نحوه الأمسُ
وله طبع كالروض صقلت يد الصَّبا ديباجة وجهه الوسيم، تتلَّقى النُّفوس من قبوله تلقِّي المخمور برد النَّسيم.
غرائب حديثه نُزه العقول ونجع الأسماع، يتجاوز بها غاياتٍ لم تختلج في خواطر الأطماع. وشعره يفعل بالألباب فعل بنات الدِّنان، وما السحر سحر مِراض الأجفان، ولكنَّما هو سحر البيان. وذكر مبدأ أمره، ومطلع قصيدة عمره. أنه تعاطى الاشتغال وخط غداره ما بَقَل، ثم خرج إلى مصر وروضه على أول ما ينزه المقل. ثم تتابعت عليه الرحل يمينًا وشمالًا، وهو يترقى في المعارف استيلاءً واشتمالًا. ولم يبق بلدةً إلا جنى ثمرها، واستفاد وقائعها وسمرها. ولا رئيس إلا فاز بنعمه، وحصل على غرائب قسمه.
حتى وصل إلى مجلس السلطان في خاتمة المطاف، فأقام برهةً في مبراتٍ وألطاف. وقد خطبته الحظوة، وما قصرت له الخطوة. ولحظته السعادة بأبصارها، وتواردت لحفايته بأنصارها.
ثم كثر فيه المخلط واللاغي، واشرأبت النفوس إلى ما في طبائعها من التباغي.
فأبعد بعد ذلك التقريب، وأوشك أن يجفوه البعيد والقريب. وجربه الدهر بالأقدار، تجربة الياقوت بالنار.
ثم أعطي مدرسةً بدار الخلافة، فطاوعه البخت بعدما أراد خلافه. واستقر الأمل لديه، استقرار الطِّرس في يديه. ولما كنت بأدرنة وردها فلقيته برهةً، لا أعدها من عمري إلا نزهة.
وكنت من الاغتراب، في نهاية الوحشة والاضطراب. فأنست به بعد التوحش، وأنسيت موردًا أرواني من التعطش. ولما كان مقامه بها كنغبة طائرٍ على وجل، لاهتمامه بالعود إلى مقره على عجل.
لم أستتمَّ عناقهُ للقائهِ ... حتى ابتدأت عناقهُ لوداعهِ
فكتبت إليه عند الوداع، رقعةً محكمة الإبداع. وهي:
إمامك التَّوفيق والرُّشدُ ... وخدنك التَّأييدُ والسعدُ
وكلَّما حلَّيت في منزلٍ ... قابلك الإقبالُ والجدُّ
مولاي من ذكره أنيسي، في وحشتي وغربتي، وخيال لطفه جليسي، في وحدتي وكربتي.
أنت الكرى مؤنسًا طرفي وبعضهمُ ... مثل القذى مانعًا طرفي من الوسنِ
لا زالت مقاليد السعادة طوع يديك، ومرقاة السيادة مشغوفة بلثم قدميك. والعمر المديد، والطالع السعيد.
هذا حشو ثيابك، وذا خادم ركابك.
فارحلْ لك البشرى فأيمنِ طالعٍ ... وعلى السلامة والسَّيادة فانزلِ
1 / 63