ومن فضل الأسلوب الشخصي وأثره أنه يكسب صاحبه الاتزان، ويجنبه السرعة، ويباعد بينه وبين الزلل، كما أنه يدخر قواه، ويفسح له في وقته ومداه، ويساعده على معرفة العمل الذي في وسعه أن يؤديه، والزمن الذي تستغرقه بدايته ومنتهاه، بل إنه ليعين على الافتنان والتجويد والإتقان، ويجعله يألف حسن التنسيق والترتيب والتوضيح والبيان.
ولا يكون الأسلوب إلا حيث تكون المهارة، وحيث يسير التدقيق يسير الحذق والبراعة، وفي رفقته يمشي أبدا بعد النظر وفضيلة الاستقلال، وهو مرتبط بجملة من المعالم الخلقية، والمزايا النفسية، والمواهب الشخصية، بحيث تكسب المرء درجة من السلطان، وحدا من السيادة أو الزعامة، لا يمكن التفوق عليها بسهولة من طريق آخر.
ولا خفاء في أن وضع برنامج دقيق للعمل اليومي من شأنه أن يزيد في محصول العمل ونتاجه، ويكثر من قطوفه وثماره، كما أن الأسلوب يقتضي أيضا تنظيم الوقت تنظيما اقتصاديا. وقد كان شارلز داروين العالم المشهور صاحب مذهب «النشوء والارتقاء» - على الرغم من ضعف صحته، وهو ما يجعل عمله بطبيعة الحال محدودا - ينظم كل ساعة من ساعات نهاره لعمل ما أو مهمة معينة، ولا يقنع منها بغير أكبر ربح وأجزل فائدة، وكان يعتقد أن التدقيق والعناية معوان على توفير شطر كبير من الوقت؛ لأنه لا يضطر المرء إلى عمل الشيء «مرتين»، وأحسب داروين هو القائل: «لقد جهل قيمة الحياة من يرضى أن يضيع من وقته ساعة واحدة.»
وقريب من الصفات والمعالم الخلقية التي تحدو المرء إلى اتباع أسلوب معين في حياته الخاصة، ما يتصل بمقدرته على تنظيم الأفراد وتوحيد أمرهم في جماعة معينة، وجمع شتاتهم لتأسيس هيئة عامة، فإن ذلك يقتضي نشاطا وقوة وذكاء ومقدرة على توحيد الجهود واحتثاث الأفراد على العمل معا، وهي ما يسمونه «المقدرة التنفيذية» أو حزم الإدارة، وعزم الأمور، وأصالة التوجيه، وحكمة القيادة.
موسوليني.
وفي عصرنا الحديث لا يستطيع أحد أن يصعد إلى مرتبة الزعيم أو القائد المنفذ إذا لم يحسن توزيع المسئولية ورياضة أصحابه وأنصاره على حمل التبعات. وقد قال أحد أصحاب الأعمال الناجحين في هذا المعرض: «إن السبب في نجاحي حتى أصبح لي هذا المصنع الكبير هو أنني استخدمت لكل فرع منه رجالا أكفاء وأشخاصا خبراء عارفين لمطالبه، إذ لا يتيسر لفرد واحد أن يعرف كل شيء في متجر يحوي ألوفا عديدة من السلع والصنوف، ولقد أصبحنا في عصر «التخصص»، وأمسينا بحاجة إلى أن نحسن علم ما نحن بحاجة إلى علمه أشمل العلم.»
ومن ثم ليس للزعيم المنظم غناء عن الاستعانة بأهل النظر وذوي الخبرة وأصحاب الخطر والمكانة في الناس فيجمعهم إليه، ويؤلف بينهم حوله، ويسند إلى كل طبقة منهم عملا خاصا، ومهمة مستقلة بذاتها. وقد قيل عن الزعيم لينين في هذه الناحية إنه في كل ناحية من نواحي الحياة يلتمس مشورة الأخصائيين ويركن إلى آراء الثقات، حتى لقد افتقد في الشئون العسكرية عون القواد الذين كانوا في المناصب على عهد الحكم القيصري القديم، وإذا رأيته يستشير «ماركس» الألماني مثلا في المسائل الثورية والشئون الانقلابية، رأيته كذلك يستنصح تايلور الأمريكي مثلا بسبيل حسن الإنتاج الصناعي ووسائل تقدمه وتنميته، وهو لا ينفك يتحدث عن فضل الخبراء من سائر الصنوف والألوان: الحاسب والمهندس والزارع والأستاذ على السواء.
ومن مزايا الزعماء الكبار وأساليب نجاحهم العناية التامة بالدقائق والجزئيات، ولا نحسب موطنا تظهر فيه قيمة هاتين الصفتين ومبلغ نفوذهما وأثرهما العظيم هو أنسب من مواطن التجرد للإصلاح الاجتماعي، ومواقف الجهاد المجتمع الصفوف لتحقيق غاية عامة، ففي هذا المجال تتجلى فضيلة التدقيق، وقيمة العناية الكاملة بكل صغيرة وكبيرة.
وشاهد ذلك فيما قرأناه ذلك الوصف البديع الذي وصفته السيدة بنكهرست الإنكليزية التي كانت تدعو إلى منح النساء في إنجلترا حق الانتخاب، ففي ذلك تقول تلك الزعيمة العجيبة: لقد كنا نعرف أننا نستطيع تنظيم مظاهرة كبرى تفوق كل المظاهرات العظيمة التي كان الرجال يقيمونها في سبيل الظفر بحقوقهم الانتخابية في خلال القرن التاسع عشر، فقد قيل إن أعظم مظاهرة قامت من قبل واحتشدت في «هايد بارك» كانت تبلغ اثنين وسبعين ألفا أو نحوها، فاعتزمنا - نحن النساء - أن ننظم في ذلك الموضع بالذات مظاهرة تضم مائتين وخمسين ألفا على الأقل، وحددنا يوم الأحد الحادي والعشرين من يونيو سنة 1908 موعدا لإقامتها، ولبثنا أشهرا طوالا نعمل في هذا السبيل لكي نجعل ذلك اليوم مشهودا جليلا خالدا في تاريخ الحركة النسوية، حتى لقد أنفقنا في الدعاية والإعلان وحدهما ما يزيد على مائة ألف جنيه ، وملأنا جدران لندن وكافة المدائن الكبيرة إعلانات ضخمة منوعة، كما وضعنا خريطة تبين فيها الطرق التي تسير فيها المواكب السبعة إلى موضع الاجتماع في «هايد بارك»، وخريطة أخرى لتوزيع الأماكن في ذلك المتنزه بين الحشود والمواكب المتفرقة، ونظمنا أنفسنا أعجب التنظيم وأبدعه حتى لقد قضينا أسبوعا كاملا قبل الميعاد نخرج كتائب من النساء تخترق الشوارع حاملات الألواح والإعلانات في كل مكان ...»
هتلر - زعيم ألمانيا النازية.
Página desconocida