وقد تقتضي اللباقة أو مراعاة المناسبات والظروف والأحوال، التضحية بكسب قليل عاجل في سبيل الظفر بكسب كبير آجل، ولا تمتنع عن التمهل والتسويف، حتى تسنح فرصة أكثر ملاءمة، ويجيء ظرف أنسب وألطف مردا.
وفي معاملة رئيس طيب القلب ولكنه يحب أن يتراءى رئيسا كبيرا، ويحرص على مظاهر رياسته، لا نحسب ثم غناء عن اللباقة ولطف التناول ودقة المأخذ، إذ هنا يقتضي الأمر الحذر من التنفير، وتحامي الإضجار، وإحداث الجفوة، والتمهل والأناة ريثما يعود ذلك الكبير فيتصور أن الفكرة التي تقدمت إليه ممن دونه هي في الواقع فكرته، وقد حدثنا أحد المرءوسين الذي أوتوا اللباقة ولطف الحس بما قد جرى له يوما مع رئيسه بسبيل ما نقرر هنا ونبين، فقال: «لقد ذهبت إليه ببرنامج وضعته بنفسي لإجراء تغيير كبير في النظام المتبع؛ فلقيني في الحال بنفور ورفض حاد، حتى لقد هممت بادي الرأي أن أقابله بالمثل أو أحتد عليه، ولكني تمالكت نفسي فاحتملت الصدمة العنيفة صابرا غير معترض، ورحت أحاول تخفيف وطأة هذا اللقاء الجاف، فغيرت موضوع الحديث، وأخذت في موضوع كنت أعرف أنه يهتم به ويتبسط فيه، وبعد ستة أشهر عدت بالبرنامج ذاته بعد أن وضعته في شكل أخف وصورة أزهى مما كان من قبل، فلم يتردد في إقراره قائلا إن شيئا كهذا كان قد دار في خلده قبل أن أعرضه عليه!»
ومن اللباقة مراعاة وجوه الشبه ونواحي التماثل في طبيعتنا البشرية، كأن يحب كل منا مثلا أن يكون ذا اعتبار، أو شيئا مذكورا، أو إنسانا له شأن وخطر ووجود، فإذا ما راعى المرء هذا عند الناس وحسب له حسابه وجد الإعجاب به عندهم، وقوبل بالرضى والالتفاف حوله.
وكثيرا ما نرى الزعامة موقرة كرامة الغير مجتنبة كل ما قد يحملها على الزهو، رائضة نفسها على كراهية الخيلاء، وتحاشي الكبرياء على الناس، والزعامة الصادقة هي التي تضع الأفراد في مواضعهم من التقدير الصحيح، وهي التي تعطي كل ذي حق حقه، وتمدح الذي يستأهل أن يمدح، وتستثير كل ما هو بديع سام رفيع في الطباع البشرية، وهي التي تبعث الأمل، وتتولى الإيحاء والإلهام، وتنشط الأرواح، وتستوقد النفوس والعزمات، وتحمل المرء على أن يعتقد أنه خير مما هو في الواقع، ومن ثم تبث في نفسه روح التطلع والطموح إلى الإجادة والرفعة والإحسان.
وقد تجلى أثر اللباقة في شخصية رجل كبنيامين فرانكلين فهو القائل: لم أكن يوما في بسط أية فكرة جديدة أحسبها مثيرة جدلا، مقيمة بعض الاعتراض، أستخدم عبارة «بالتأكيد» أو كلمة «بلا شك» أو ما يماثلهما من العبارات التي تظهر الفكرة مظهر الحقيقة القاطعة والرأي المجزوم به، والفكرة التي لا يأتيها الباطل من أي وجه من وجوهها؛ وإنما كان دأبي أن أقول في هذا المعرض «أظن» أو «أفتكر» أو «إن الأمر كذلك إذا لم أكن مخطئا» أو «يلوح لي أنه ...» إلى أشباه هذه العبارات التي لا تفيد القطع والجزم والتحتيم، وقد أفدت من هذه العادة كثيرا في بث آرائي، والتمهيد لأفكاري، والتوطئة لمقترحاتي التي كنت أقدمها إلى الناس واستحثهم على الرضوان بها، وإذا كانت الغاية الأولى من الحديث وتجاذب أطراف الكلام هي أن تستقي علما أو تبث علما، وأن تقنع وتستحث، أو تسر وترضي، فإني أرجو إلى العقلاء والمراجيح والعاملين للخير والفائدة العامة ألا يضعفوا سلطانهم، ويوهنوا مقدرتهم على الخير والإحسان والإفادة باتخاذ سمات الحزم والقطع والتحتيم في أحاديثهم، وإلقاء آرائهم كقضايا مسلم بها؛ فإن ذلك في الغالب منفر للنفوس، مثير الاعتراض، غير مؤد إلى الغاية من الحديث والغرض من الكلام، وهو أن تستقي علما أو تبث علما، أو تريد إقناعا، أو مجرد تسلية وإرضاء.
وتقتضي اللباقة كذلك البعد مما يزري، وتجنب ما يستكره، واتخاذ الطريق المأمون من الخطر، وترك التحرش وإثارة الحفائظ، فإن ذلك جميعا ينجح المقصد، ويبلغ الغرض، ويصلح ما فسد ، ويمحو من الآثار الماضية كثيرا، وقد كان «بوكر واشنطن» محرر زنوج أمريكا حاذقا لهذا الأسلوب مفتنا فيه، محسنا به كل الإحسان، فقد وقف يوما يخطب اجتماعا من البيض في الولايات الجنوبية، فكان استهلال خطابه «إنني أضرع إليكم بالنيابة عن ستمائة وخمسين ألفا من أبناء جلدتي في ولايتكم هذه، هم اليوم جثي ركع عند أقدامكم، وإن مصائرهم ومستقبلهم اليوم في أيديكم، ولقد نبئت أنكم قوم إخوان مروءة وشجاعة وكرم، فأنتم أرفع من أن تسيئوا إلى الضعيف، أو تضطهدوا البريء، أو تظلموا من لا منة له ولا بأس ...»
وقد أوتي هنري فورد لباقة عجيبة في مسلكه إزاء رجل وقف يوما خطيبا يندد بعصر الصناعة، ويزعم أنه إنما أفاد الذين استغلوه للإثراء وكسب المال، وأن التقدم الصناعي في العالم الحديث كبير الخطر سيئ العاقبة، وأن الأوتوموبيل سوف يذهب بفضل الطبيعة، ويفسد الغرائز أشد الإفساد، فقد حدثنا فورد في كتاب عن نفسه بسبيل هذا الحادث فقال: «وكنت أخالفه في هذا الرأي من أساسه، واعتقدت أنه قد استرسل مع عاطفته في فكرة أبعد ما تكون من الحق والصواب، فلم أفعل أكثر من أنني بعثت إليه بأوتوموبيل طالبا إليه أن يجربه ليتبين بنفسه هل يعينه على فهم الطبيعة وإدراكها أكثر من قبل وأسهل، فكان ذلك الأوتوموبيل الذي استنفد فترة طويلة من وقته في المرانة على تحريكه وإدارته، هو الذي جعله يغير رأيه ويعدل عن فكرته ...!»
وقد يستوجب العمل السياسي لباقة أو كياسة دقيقة، إذ لا غناء للسياسي أو الموظف الدبلوماسي كالممثل أو السفير عن هذه الصفة في علاج الدقائق وتقدير الأشياء ومراعاة اللباقة، واعتبار المصلحة القومية والصالح الدولي، إذ ينبغي له عند تمثيل أمته ألا يغفل عن حساب مصلحة الأمم الأخرى ومواقفها وأحوالها وسياستها واتجاهاتها. وقد أثر عن الرئيس روزفلت في سنة 1907 بسبيل الحركة العدائية التي قامت في كاليفورنيا ضد هجرة اليابانيين أنه استخدم أعجب الكياسة في إطفاء تلك الحركة والخروج من الأزمة بسلام.
وقد تحدث هو عما فعله في هذا السبيل فقال: «لقد بينت لأهل كاليفورنيا أنني مشترك معهم كل الاشتراك في الرأي بصدد نزوح اليابانيين إليهم في جماعات كبيرة وزرافات متعددة، ولكني أود أن أحقق غرضهم على صورة من الكياسة والرفق والأدب ترضي مشاعر اليابانيين كل الإرضاء، ومن ثم استطعت أن أحملهم على العدول عن فكرة إصدار تشريع يمنع الهجرة اليابانية إلى بلادهم، وتمكنت من إبرام اتفاق مع اليابان تقضي نصوصه بأن يمنع اليابانيون أنفسهم طوائف عمالهم من النزوح إلى بلادنا، وإلا اتخذت حكومتنا في الحال التدابير لإصدار قانون بإخراج اليابانيين جميعا من أراضيها، وهكذا كان من الخير أن تقف اليابان بنفسها تيار هجرة أهلها إلينا، ولا نتولى نحن صده ومقاومته.»
وقد يكون فقدان اللباقة أو الخلاء من الكياسة خطرا على الدولة سيئ النتائج وخيم العاقبة، فإن الخلاف بين الأحزاب السياسية أو التناحر والخصومات بين الزعماء السياسيين قد يكون راجعا إلى فقدان اللباقة والافتقار إلى الكياسة أكثر مما يرجع إلى الاختلاف على المبادئ والتباين في المذاهب والاتجاهات.
Página desconocida