Prados de oro y minas de gemas
مروج الذهب ومعادن الجوهر
فأصبح لا يخشى من الناس كلهم ... عدوا، ولو ما لوا بقوة عاد والله لوددت أنه أجابني إلى ذلك بأبحته خزائني، وفوضت إليه ملكي، ورضيت بالمعاش تحت يديه، ولا أظنني مفلته، ولوكانت لي ألف نفس. فقال السندي: صدقت والله يا أمير المؤمنين، ولو أنك أبوه الحسين بن مصعب ما استبقاك، فقال محمد: وكيف لنا بالخلاص إلى هرثمة ولات حين مناص؟ وراسل هرثمة، ومال إلى جنبته، فوعده هرثمة بكل ما أحب، وأنه يمنعه ممن يريد قتله، وبلغ ذلك طاهرا، فأشتد عليه وزاد غيظه وحنقه، ووعده هرثمة أن يأتيه في حراقة إلى مشرعة باب خراسان فيصير به إلى عسكره هو ومن أحب، فلما هم محمد بالخروج في تلك الليلة - وهي ليلة الخميس، لخمس ليال بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة - دخل إليه الصعاليك من أصحابه، وهم فتيان الأبناء والجند، فقالوا له: يا أمير المؤمنين، ليس معك من ينصحك، ونحن سبعة آلاف رجل مقاتلة، وفي إصطبلك سبعة آلاف فرس يحمل كل منه على فرس وتفتح بعض أبواب المدينة، ونخرج في هذه الليلة، فما يقدم علينا أحد إلى أن نصير إلى بلد الجزيرة وديار ربيعة، فنجبي الأموال، ونجمع الرجال، ونتوسط الشام، وندخل مصر، ويكثر الجيوش والمال، وتعود الدولة مقبلة جديدة، فقال: هذا والله الرأي، فعزم على ذلك وهم. به وجنح إليه، وكان لطاهر في جوف دار الأمين غلمان وخدم من خاصة الأمين يبعثون إليه بالأخبار ساعة فساعة، فخرج الخبر إلى طاهر من وقته، فخاف طاهر، وعلم أنه الرأي أن فعله، فبعث إلى سليمان بن أبي جعفر وإلى ابن نهيك والسندي بن شاهك - وكانوا مع الأمين - أن لم تزيلوه عن هذا الرأي لأخربن دياركم وضياعكم ولأزيلن نعمكم. ولأتلفن نفوسكم، فدخلوا على الأمين في ليلتهم، فأزالوه عن ذلك الرأي، وأتاه هرثمة في الحراقة إلى باب خراسان، ودعا الأمين بفرس يقال له الزهيري، أغر محجل أدهم محذوف، ودعا الأمين بابنيه موسى وعبد الله فعانقهما وشمهما وبكى، وقال: الله خليفتي عليكما، فلست أدري أألتقي معكما بعدها أو لا،وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود وقدامه شمعة، حتى أتى باب خراسان إلى المشرعة والحراقة قائمة فنزل ودخل الحراقة، فقبل هرثمة بين عينيه، وقد كان طاهر نمي إليه خروجه، فبعث بالرجال من الهروية وغيرهم والملاحين في الزوارق على الشط، فدفعت الحراقة، ولم يكن مع هرثمة عدة من رجاله، فأتى أصحاب طاهر عراة فغاصوا تحت الحراقة فأنقلبت بمن فيها، فلم يكن لهرثمة شاغل إلا أن نجا بحشاشة نفسه، فتعلق بزورق وصعد إليه من الماء ومضى إلى عسكره من الجانب الشرقي، وشق محمد ثيابه عن نفسه وسبح فوقع نحو السراة إلى عسكر قرين الديراني غلام طاهر، فأخذه بعض السواس حين شم منه رائحة المسك والطيب، فأتى به قرينا فأستاذن فيه طاهرا، فأتاه الإذن في الطريق وقد حمل إلى طاهر، فقتل في الطريق وهو يصيح: إنا لله وإنا إليه راجعون،أنا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم،وأخو المأمون، والسيوف تأخذه حتى برد، وأخذوا رأسه، وكانت ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة. وذكر أحمد بن سلام - وقد كان مع الأمين في الحراقة حين انقلبت - فسبح فقبض عليه بعض أصحاب طاهر وأرادا قتله، فأرغبه في عشرة آلاف درهم، وأنه يحملها إليه في صبيحة تلك الليلة، قال: فأدخلت بيتا مظلما فبيناأنا كذلك إذ دخل علي رجل عريان عليه سراويل وعمامة قد تلثم بها، وعلى كتفه خرقة، فجعلوه معي، وتقدموا إلى من في الدارفي حفظنا، فلما استقر في الدار حسر العمامة عن وجهه فإذا هو محمد، فاستعبرت واسترجعت فيما بيني وبين نفسي، وجعل ينظر إلي ثم قال: أيهم أنت؟. قلت:أنا مولاك يا سيدي، قال: وأي الموالي أنت، قلت: أحمد بن سلام، قال: أعرفك بغير هذا، كنت تأتيني بالرقة، قلت: نعم، يا أحمد، قلت: لبيك يا سيدي، قال: أدن مني وضمني إليك فأني أجد وحشة شديدة، قال: فضممته إلي، فإذا قلبه يخفق خفقانا شديدا، ثم قال: أخبرني عن أخي المأمون أحي هو؟ قلت له: فهذا القتال عمن أذن؟ قال: قبحهم الله، ذكروا أنه مات، قلت: قبح الله وزراءك! فهم أوردوك هذا المورد، فقال لي: يا أحمد ليس هذا موضع عتاب، فلا تقل في وزرائي إلا خيرا فما لهم ذنب، ولست بأول من طلب أمرا فلم يقدر عليه، قلت: ألبس إزاري هذا وارم بهذه الخرقة التي عليك، فقال: يا أحمد من كان حاله مثل حالي فهذه له كثير، ثم قال لي: يا أحمد ما أشك أنهم سيحملونني إلى أخي أفترى أخي قاتلي؟ قلت: كلا، أن الرحم ستعطفه عليك، فقال لي: هيهات؟! الملك عقيم لا رحم له، فقلت له: أن أمان هرثمة أمان أخيك، قال فلقنته الأستغفار وذكر الله، فبينا نحن كذلك إذ فتح باب البيت فدخل علينا رجل عليه سلاح فاطلع في وجه محمد مستثبتا له، فلما أثبته معرفة خرج وأغلق الباب، وإذا هومحمد الطاهري، قال: فعلمت أن الرجل مقتول، وقد كان بقي علي من صرتي الوتر، فخفت أن أقتل ولم أوتر، فقمت لأوتر، فقال لي: يا أحمد لا تبعد مني وصل بقربي، فأني أجد وحشة شديدة، فدنوت منه، فقل ما لبثنا حتى سمعنا حركة الخيل ودق باب الدار، ففتح الباب فإذا قوم من العجم بأيديهم السيوف مصلتة، فلما أحس بهم محمد قام قائما وقال: إنا لله وأنا إليه راجعون، ذهبت والله نفسي في سبيل الله، أما من حيلة؟ أما من مغيث؟ وجاءوا حتى قاموا على باب البيت الذي نحن فيه، وجعل بعضهم يقول لبعض: تقدم، ويدفع بعضهم بعضا ة فأخذ محمد بيده وسادة وجعل يقول: أنا ابن عم رسول الله،أنا ابن هارون الرشيد،أنا أخو المأمون، الله الله في دمي، فدخل عليه رجل منهم مولى لطاهر فضربه بالسيف ضربة وقعت في مقدم رأسه، وضرب محمد وجهه بالوساة التي كانت في يده، واتكأ عليه ليأخذا السيف من يده، فصاح بالفارسية: قتلني الرجل، فدخل منهم جماعة فنخسه أحدهم بسيفه في خاصرته، وكبوه فذبحوه من قفاه، وأخذوا رأسه، ومضوا به إلى طاهر.
وقد قيل في كيفية قتله غير هذا، وقد أتينا على التنازع في ذلك في الكتاب الأوسط.
Página 34