Prados de oro y minas de gemas
مروج الذهب ومعادن الجوهر
فقتل ثم قتل عبد الرحمن أخوه بعده، فيمن ذكرنا من خزاعة. ولما رأى معاوية القتل في أهل الشام وكلب أهل العراق عليهم استدعى بالنعمان ابن جبلة التنوخي - وكان صاحب راية قومه في تنوخ وبهراء - وقال له لقد هممت أو أولي قومك من هو خير منك مقدما، وأنصح منك دينا، فقال له النعمان: آنا لو كنا ندعو قومنا إلى جيش مجموع لكان في كسع الرجال بعض الأناة فكيف ونحن ندعوهم إلى سيوف قاطعة، وردينية شاجرة، وقوم ذوي بصائر نافذة، والله لقد نصحتك على نفسي، وآثرت ملكك على ديني، وتركت لهواك الرشد وآنا أعرفه، وجدت عن الحق وأنا أبصره، وما وفقت لرشد حين أقاتل على ملكك ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول مؤمن به ومهاجر معه، ولو أعطيناه ما أعطيناك لكان أرأف بالرعية، وأجزل في العطية، ولكن قد بذلنا ذلك الأمر ولا بد من أتم أمه كان غيا أو رشدا، وحاشا أن يكون رشدا وسنقاتل عن تين الغوطة وزيتونها إذ حرمنا أثمار الجنة وأنهارها، وخرج إلى قومه، وصمد إلى الحرب.
مقتل عبيد الله بن عمر
وكان عبيد الله بن عمر إذا خرج إلى القتال قام إلية نساؤه فشددن عليه سلاحه، ما خلا الشيبانية بنت هانى بن قبيصة، فخرج في هذا اليوم، وأقبل على الشيبانية، وقال لها: إني قد عبأت اليوم لقومك، وأيم الله إني لأرجو أن أربط بكل طنب من إطناب فسطاطي سيدا منهم، فقالت له: ما أبغض إلا أن تقاتلهم قال: ولم؛ قالت: لأنه لم يتوجه إليهم صنديد في جاهلية ولا إسلام وفي رأسه صعر إلا أبادوه، وأخاف أن يقتلوك، وكأني بك قتيلا وقد أتيتهم أسألهم أن يهبوا لي جيفتك، فرماها بقوس فشجها وقال لها: ستعلمين بمن آتيك من زعماء قومك، ثم توجه فحمل عليه حريث بن جابر الجعفي فطعنه فقتله، وقيل: إن الأشتر النخعي هو الذي قتله، وقيل: إن عليا ضربه ضربة فقطع ما عليه من الحديد حتى خالط سيفه حشوة جوفه، وإن عليا قال حين هرب فطلبه ليقيد منه بالهرمزان: لئن فاتني في هذا اليوم لا يفوتني في غيره، وكلم نساؤه معاوية في جيفته، فأمر أن تأتين ربيعه فتبذلن في جيفته عشرة آلاف، ففعلن ذلك، فاستأمرت ربيعه عليا، فقال لهم: إنما جيفته جيفة كلب لا يحل بيعها، ولكن قد أجبتهم إلى ذلك؛ فاجعلوا جيفته لبنت هانئ بن قبيصة الشيباني زوجته، فقالوا لنسوة عبيد الله: إن شئتن شددناه إلى ذنب بغل ثم ضربناه حتى يدخل إلى عسكر معاوية، فصرخن وقلن: هذا أشد علينا، وأخبرن معاوية بذلك، فقال لهن: ائتوا الشيبانية فسلوها أن تكلمهم في جيفته، ففعلن، وأتت القوم وقالت: أنا بنت هانئ بن قبيصة وهذا زوجي القاطع الظالم وقد حذرته ما صار إليه فهبوا إلي جيفته، ففعلوا، وألقت إليهم بمطرف خز فأدرجوه فيه ودفعوه إليها فمضت به، وكان قد شد في رجله إلى طنب فسطاط من فساطيطهم.
ولما قتل عمار ومن ذكرنا في هذا اليوم حرض علي عليه السلام الناس وقال لربيعه: أنتم درعي ورمحي، فانتدب له ما بين عشرة آلاف إلى أكثر من ذلك من ربيعه وغيرهم، قد جادوا بأنفسهم الله عز وجل، وعلي أم أمه م على البغلة الشهباء، وهو يقول:
من أي يومي من الموت أفر ... أيوم لم يقدر أم يوم قدر
وحمل وحملوا معه حملة رجل واحد، فلم يبق لأهلي الشام صف إلا انتفض، وأهمدوا كل ما أتوا عليه، حتى أتوا إلى قبة معاوية، وعلي لا يمر بفارس إلا قده وهو يقول:
أضربهم ولا أرى معاويه ... الأخزر العين العظيم الحاويه
تهوي به في النار أم الهويه
وقيل: إن هذا الشعر لبديل بن ورقاء، قاله في ذلك اليوم.
ثم نادى علي: يا معاوية، علام يقتل الناس بيني وبينك؟ هلم أحاكمك إلى الله فآينا قتل صاحبه استقامت له الأمور، فقال له عمرو: قد أنصفك الرجل، فقال له معاوية: ما أنصفت، وإنك لتعلم أنه لم يبارزه رجك قط إلا قتله أو أسره، فقال له عمرو: وما يحمل بك إلا مبارزته، فقال له معاوية: طمعت فيها بعدي، وحقدها عليه.
Página 328