أثناء ذلك أعاد جيمي الغطاء فوق وجه الطفل النائم ونظر مرتابا إلى الحقيبة. ما الذي قالته الممرضة بشأن وضع أغراض خاصة بالطفل؟ من الأفضل أن يخرج تلك الأشياء ويحتفظ بها في حوزته. وبناء على ذلك حمل الحقيبة وأخذها إلى غرفة نومه، وفتحها على فراشه، وفتح أحد أدراج خزانة الملابس، فأزاح ما فيه من ملابس، وشرع يفرغ الحقيبة. أخرج ثياب نوم وفساتين صغيرة وأنواعا شتى من الملابس الناعمة النسائية والأكوام المطوية على شكل مربع، وحين عثر أسفل الحقيبة على صرة مربوطة، فتحها ووجد بداخلها عقد خرز وأساور وحليا نسائيا زهيدا.
لم يكن لديه الوقت بعد للتفكير في فتاة العاصفة. لكنه أدرك حين فكر فيها فعلا أن الوقت قد حان للبحث عنها، وأن الوقت قد حان ليصفي معها حسابا طويلا بعض الشيء. فقد ارتكبت خطأ. ولم تكن أمينة. «ومن بين كل النساء في العالم، ما كنت لأصدق أنها كاذبة!» قال جيمي ذلك وكان إحساسه بالحنق في تلك اللحظة طاغيا جدا لدرجة أنسته الارتياح الذي كان لا بد أن يشعر به لمعرفته أن السيدة التي هرع إلى المستشفى لمساعدتها لم تكن فتاة العاصفة. فقد جاشت بداخل جيمي النزعة الواقعية الاسكتلندية والنزاهة الاسكتلندية والعناد الاسكتلندي الحرون، التي لم تحد منها البيئة الأمريكية التي كانت كفيلة بتلطيفها إلى حد ملحوظ.
قال جيمي: «من الأفضل كثيرا لو كانت ذات سريرة صافية وماتت مثل أم الطفل على أن تسير بين الناس متعالية ومتمتعة بالصحة وتتحدث كذبا»، ثم ألقى الصرة بعنف وأعاد ربطها ووضع بعضا من ملابسه فوقها، وأغلق الدرج محدثا دويا.
وعاد من بعد ذلك إلى الفراش وأعاد تنظيم ملابس الطفل بحرص. كان بعضها مزينا بقطع من الدانتيلا، وكانت خاماتها رقيقة جدا حتى إنها كانت تلتصق بأصابعه التي باتت خشنة من العمل وتعلق بها فكان يضطر إلى نزع بعضها عنها. لكنها بدت على كل حال دافئة، وبدا أن هناك منها ما يكفي طفلين أو ثلاثة، وبدت حتى لعيني جيمي غير المتمرستين أشياء فاخرة، ومصنوعة بعناية، ومصممة بحب، زينت في أماكن متفرقة برسومات براعم قرنفل وأذن الفأر زرقاء وزهور أقحوان صفراء صغيرة. ما إن أغلق جيمي الحقيبة، حتى وقف منتصبا مواجها النافذة الخلفية. وربما كان يخاطب المحيط الذي تلألأ بالأزرق والذهبي خلفه.
حيث قال صوت الواعظ، صوت القاضي، صوت الناقد الصارم بداخل جيمي: «في هذه اللحظة، في هذه اللحظة إنما أحترم السيدة التي قضت نحبها أكثر مما أحترمك!»
حمل الحقيبة وأنزلها على الأرض بجانب الطفل النائم. ثم جلس وأزاح عنه غطاء الوجه وحسر الملابس وفك خيوط غطاء الرأس المربوطة أسفل ذقنه، وجعل ينظر طويلا وممعنا إليه. لم يذكره بأي شخص. كان صغيرا جدا. كان له عينان وأنف وفم. وكان بالغ الاحمرار. لم ير جيمي به شبها من الفتاة التي كانت مستلقية على الوسادة. وعندئذ، كما فعل قائد الكشافة، راح يتفحص يديه. وقد استغرق فيهما أكثر مما استغرق في الوجه. كانتا يدين مثاليتين، بديعتي الخلقة؛ بأصابع طويلة رشيقة، أصابع دقيقة الأطراف على نحو جميل، بأظفار صغيرة مكتملة ومستطيلة لما بعد أطراف الأصابع، في خلق مثالي، وقد بدت كأصابع خلقت لترسم لوحات وتعزف على الكمان وتمسك بشغف كتبا من نوعية الكتب التي وهبها سيد النحل للكشافة الصغير.
وأثناء ذلك، التفت جيمي، قائلا: «هل لاحظت يديه كيف هما جميلتان؟»
لم يتلق جوابا، فالتفت أكثر. كان الكشافة الصغير قد عبر الشرفة وقطع الممشى كله وفتح البوابة، ووقف منتظرا بلهفة في أقرب مسار للعربات، متطلعا بكامل اهتمامه نحو المدينة.
وخلال مدة قصيرة لدرجة لا تصدق، توقفت سريعا، عربة رياضية أنيقة، سيارة جميلة تصلح لتكون محط الأنظار في معرض للسيارات وقبل أن تتوقف مباشرة كان الكشافة الصغير فوق دواستها الجانبية. واستطاع جيمي أن يرى أن ذراعيه المتسختين قد اندفعتا بداخلها بينما ارتفع وجهه تجاه وجه امرأة متجهة نحو الباب. لم يستطع أن يسمع الحوار الذي تلا ذلك. كان ثمة طلب من ناحية قائد الكشافة، وقد قوبل ذلك الطلب بضحكة كان وقعها عذبا ورقيقا على أذني جيمي. لكن منع الباب من الفتح، فقد كان الكشافة الصغير مصرا، ووضع يده المتسخة على يد أمه التي حاولت فتح الباب، ثم سمع جيمي بوضوح عبارة: «آه، لا يا أمي، أرجوك!»
ثم سمع الإجابة: «ليكن، إذن.»
Página desconocida