وهنا تكلم القدر فسكت المقدور، وتزايل الحذر فوقع المحذور.
تقفون والفلك المحرك دائر
وتقدرون فتضحك الأقدار
فلقد أطلق علي القدر من كنانة الغيب ما قصف عزمي قصفا، ونسف كل تصميمي نسفا، فلقد كان ولداي الأكبران بنجوة مني يستمعان هذا الحوار ولا أراهما، فما إن أطبقت فم «التليفون» حتى تقدما وهتفا معا:
إذا كنت يا أبتاه تخاف الطيارة فنحن نركبها بدلا منها! فقلت: لقد قتلتماني أيها الشقيان كما قتل خادم المتنبي مولاه، سامحكما الله وعفا عنكما، وطلبت الأستاذ حسني من فوري وسألته عن ساعة قيام الطائرة وغير هذا من بعض التفصيل، وسرعان ما دعا إلى «التليفون» صديقي المفضال الأستاذ لطفي محمود السكرتير العام لبنك مصر، وهذا أقبل علي بالهناء، فقد كان بين السفر الكرام، وتبين لي بعد أنه كان أبلغ المؤتمرين بي أثرا! وهكذا يكون رجال المال، صنع الله لهم!
كان ذلك عشية الأربعاء، والسفر مصبح الجمعة؛ فيا لها من ست وثلاثين ساعة في انتظار البلاء!
جعل الرعب يشيع في نفسي، والفزع يغمز على قلبي، وأتلفت بالخاطر في كل مطرح فلا يقع إلا على ويل، أما الرجاء في السلامة فقد سكن صياحه، وانطفأ مصباحه.
يا رباه! كل يوم وفي كل ساعة تحلق الطيارات حتى تكاد تحك قرن الشمس وتصك وجه القمر، فتغدو سالمة، وتعود غانمة، فلماذا لا يجري القدر إلا على طيارتي أنا؟! لم تسعدني كل هذه الأمثال ولو بمزقة من ظل الرجاء، وأخيرا تهديت إلى حل ظهر لي بادئ الرأي محكما بديعا، ذلك بأنه إذا كان ولا بد من سقطة، فأقصى جهدها ألف متر، فماذا علي لو أديتها مقدما، فأتسلف السلامة في تلك الرحلة «العزيزة»! وما علي إلا أن أثب من سريري إلى الأرض ألفا وخمسمائة مرة زيادة في الاحتياط، وبذلك نبرئ الذمة من الآن.
وفيما أنا أتهيأ لهذا تنبهت فجاءة إلى أن «بنك» الطيران لم يدخل بعد في أعماله نظام المعاملة بالتقسيط! فسقط في يدي، وتركت الوهم يسري بين حنايا الضلوع مسراه، وفوضت أمري كله إلى الله، فبيده البسط والقبض، وعن أمره الرفع والخفض؛ ولا بد مما ليس منه بد.
ويطول علي الانتظار من مساء الأربعاء إلى صبح الجمعة «والوقوع في البلاء خير من انتظاره» كما يقولون، وكان يسلي عني الفينة بعد الفينة «تليفونات» أتلقاها من أصحابي سائلين عن الخبر كأنه حدث في البلد حدث، وأجيبهم بالتأكيد، وهم بين مصدق وبين مكذب، وبين مشجع وبين مخذل، وتتطارح المفاكهات من هنا ومن هنا، وكلها حول أن عبد العزيز يطير!
Página desconocida