وبعد وصولي المخيم بنصف ساعة تقريبا جاءني قائد الجندرمة ومعه مذكرة من المعتمد البريطاني يقول فيها إنه هو والسير رونالد ستورس والكابتن لورنس يحبون أن يتناولوا الشاي في المخيم في الساعة الرابعة، فأجبته بالقبول. وقد حضروا في الوقت المناسب وقالوا لي: ماذا قلت سموك للكولونيل بريمون؟ فقلت: الذي سمعتموه منه، فإني بعد تبليغكم قرار حكومتكم لي، صممت على العودة لعرض الأمر على ولي الأمر وشرحه بتمامه، ثم الاستعفاء أنا والحكومة، لتأتي الحكومة من الحزب المائل للصلح مع تركيا فتقبل ما عرضه الأتراك علينا من قبول ما نريد للعرب بكفالة الإمبراطور الألماني ونتخلص من مشاق الحرب، ولا لوم علينا في هذا. فقالوا: ولم؟ قلت: للوصول للغاية بعد اعتذاركم. فقالوا: إنك لم تبق عندنا حتى نعرض عليك ما كتبناه للحكومة، وإننا ننتظر إيقافنا على ما تريدونه من مطالب، فقلت: بعد تصميمكم على سحب بعثاتكم تقولون إنكم كتبتم؟ وماذا تعني كتابتكم؟ فألحوا علي إلحاحا شديدا في تغيير رأيي، فقلت: لا أحيد عن رأيي قيد شعرة ولكن سأتأخر في الطريق اثنتي عشرة ساعة، فإن سبقتني الموافقة على ما تتطلبه الحالة الراهنة من إبقاء البعثات وإرسال الطيارات التي يطلبها الأمير فيصل فسأستمر على ما نحن عليه الآن، فرضوا وخرجوا بعد أن تناولوا الشاي.
وسافرت إلى مكة عن طريق بريمان والفج، تاركا على يميني جبلي ظاف ومكسر، وقضيت الليلة بقرب منازل لحيان؛ وكانت ليلة جميلة ضيفتنا فيها العشيرة خير ضيافة. ثم استأنفنا السير صباحا، وسلكنا طريقا تنخرط بنا على الحميمة وبها أقلنا، ثم روحنا بعد الظهر فأصبحنا أمام مكة المكرمة ودخلناها من طريق الحجون لا من طريق أجياد. وعند دخولنا البلد الأمين، واذا بجاد يقول «يا شاري العبد المليك، عبد يجمل من شراه» وإذا به الشيخ فاجر بن شليويح، وجاء على وعد مني للسفر إلى الجبهة.
فدخلت مكة وتشرفت بالمثول بين يدي المنقذ، فبادرني بقوله: لقد نجحت يا عبد الله في عملك، فقد وردتني برقية من المعتمد البريطاني يقول فيها «إن جميع مطالب الجبهات سوف تأتي بدون أي تأخير». فعلمت أن السهم قد أصاب وأن القوم قد فضلوا دوام الثورة العربية على الصلح الذي زعمت أنه ممكن؛ ولم أعرض لجلالته أي شيء عن الموضوع، غير أني علمت بعد ذلك أن عزيز علي قد عرض عليه الأمر.
إعلان استقلال البلاد العربية ومبايعة الحسين بن علي ملكا على العرب
ثم تذكرت أنه لا بد من إعلان استقلال البلاد العربية بأجمعها والبيعة لجلالته ملكا على العرب، لأن الترك في ذلك الحين كانوا ينظرون إلينا كعصاة خارجين، وأعداؤهم ينظرون إلينا كثوار لا أقل ولا أكثر؛ وفي هذا ما فيه من الخطر على مستقبل الأمة. فذاكرت زملائي الوزراء - ما عدا الأميرين علي وفيصل فإنهما كانا في الجبهة - ذاكرت الشيخ عبدالله سراج قاضي القضاة ونائب رئيس الوزراء، والشيخ يوسف قطان وزير الأمور النافعة، وحافظ محمد أمين أفندي ناظر الأوقاف، وعزيز بك علي المصري رئيس أركان الجيش العربي، وعلماء مكة مفتيها ومن حضر من رجالات الشام والعراق الذين منهم الشيخ كامل القصاب والسيد محب الدين الخطيب وآل البكري والشيخ فؤاد الخطيب - وكان معاونا للخارجية - وآل الداعوق وحضرات الضباط العراقيين ... فعرضت عليهم الأمر فوافقوني على ذلك وألحوا في سرعة التنفيذ.
فدخلت وعرضت الأمر على جلالته فرفض بشدة وقال: أنا لا أعمل للملك ولا أقبل هذا الأمر الذي تعرضونه علي. فتقدمت ولثمت ركبته وقلت: هذه العريضة مقدمة من عظماء الحجاز ومن حضر من سائر بلاد العرب وهم يرجون قبول عرضهم. فقال ليس عندي سوى ما قلته لك. فقلت: لسنا جميعا على استعداد لخدمة الثورة إلا على شرط قبول ما عرضناه، فاعمل ما تشاء مع سوانا. فقال: هل بلغت بكم الحال إلى هذه الدرجة؟ فقلت نعم. ففال: قف، فوقفت، ثم أمر بحضورهم جميعا. فلما جاءوا قال: أصحيح ما يقول هذا؟ قالوا لا يجرؤ أحد على أن يعرض على سيدنا ما لا صحة له. قال: هل عزمتم على ترك الدوام على الثورة إن لم أقبل أنا ما عرضتموه؟ قالوا: نعم، سننسحب كلنا. فقال: افعلوا ما شئتم والتبعة عليكم، أنا أقبل ما عرضتموه منفذا لرغبتكم لا موافقا عليها. قالوا: إذن وفقك الله، وستكون البيعة يوم الاثنين أول محرم سنة 1335 في المسجد الحرام، فقال: على بركة الله.
فكانت البيعة كما ذكرت وهي بيعة عامة، وقف الناس يبايعونه من ضحوة النهار إلى أن أذن المؤذن الظهر، أربع ساعات تامة. وبعد أن عاد إلى القصر الملكي ودخل الحجرة الخاصة، تقدمت مهنئا فقلت: هذه البيعة العلنية، أما البيعة السرية فكانت والأتراك في البلاد، وأخذتها من أحد عشر ألف رجل بمكة، كلهم بايعني على أن أختار لهم ملكا هاشميا يسير بهم على ما أمر الله ورسوله، وكانت بإذن جلالتك. فقال: تذكرت تذكرت، فقلت: وأنا الآن ذكرت أبا مسلم الخراساني، ولكن أرجو الله ألا تكون عاقبتك عاقبته. فقال: خسئ الأعجمي. ثم أبرقت بصفتي وزيرا للخارجية لكل وزراء الخارجية من دول الحلفاء والدول المحايدة، واستمر العمل ذلك اليوم من بعد الظهر إلى ما بعد نصف الليل. وكان يعمل معي الشيخ فؤاد الخطيب عمل المخلص المتفاني ولا نكران لذلك.
وفي اليوم الثاني طلب إلي المعتمد البريطاني الكولونيل ولسن والمعتمد الفرنسي الكولونيل بريمون المكالمة، فظننت أنهما سيهنئانني على ما وقع؛ وإذا بهما على عكس ذلك يقولان: لم فعلتم هذا الأمر قبل الرجوع إلى رأي حلفائكم؟ فقلت: عجيب ما تقولانه، إننا نقاتل بسيوفنا في سبيل الله وإعلاء كلمته وإرجاع حقنا القومي إلى نصابه؛ فمن ساعدنا وأيدنا فهو صديقنا، ومن نكص عنا وأحب أن يفت في عزائمنا فهو لا يريد بنا الخير؛ ونحن لا نسفك الدماء إلا في حقها وحلها، فإذا رأيتم أننا على خطأ فأنتم تضمرون لنا غير ما تعلنون. وإنني لأنتظر رد حكوماتكم، لا ردودكم الشخصية، وأنا أعتقد أن الترك وحلفاءهم اليوم سيقرون ما فعلناه ويقبلون الصلح وهذا أمر نحبه. فقالوا: تشك سموك في إخلاصنا؟ قلت: لا، ولكن نحن أعلم بما ينبغي لنا أن نفعله من أجل أنفسنا.
وفي اليوم الثاني جاءني الرد من المستر ستورمر وزير خارجية روسيا القيصرية، وقد اعترف باستقلال البلاد العربية وبملكية صاحب الجلالة الهاشمية الحسين بن علي ملكا على الأمة العربية، مقدما تحيات جلالة القيصر نيقولا الثاني إلى جلالته وتحياته هو إلي وإلى الحكومة. فبلغت هذه البرقية إلى دول الحلفاء قراءة. فقال لي الكولونيل ولسن: أتعد هذا اعترافا منه يا سمو الأمير؟ فقلت: وكيف يكون الاعتراف إذن؟ فقالا: تكرم إذن بقبول تهاني الشخصية على أن أقدم التهاني الرسمية بعد تلقي الاعتراف من حكومتي.
وبعد هذا أخذت في ترتيب السفر، وقلدت قيادة الجيش الشرقي العربي مرة أخرى، وعماد هذا الجيش فئتان من الهجانة المدربين والشوكة الهاشمية، وفئة الخيالة معها بطارية جبلية ثم عشائر عتيبة وعشائر مطير وعشائر حرب وعشائر هتيم. ثم عند الوصول إلى بلاد جهينة وبعد إتمام التجهيزات توجهنا في عشرين من شهر صفر الخير، ونزلنا وادي الليمون، وكانت قوات الأميرين في رابغ وينبع تحت ضغط شديد من فخر الدين باشا. وكاد الشيخ حسين بن مبيريك شيخ رابغ قد التحق بالقوى التركية وقام ببعض عشائره في حجر - موضع بأرض وعرة شرقي رابغ وعلى طريق خلص فعسفان - وبهذا كانت الطريق مفتوحة لقوات فخر الدين باشا بدون أي معارض.
Página desconocida