المشكلة الحقيقية التي تحول واحات الاستصلاح إلى هذه الأشكال من القيود هي قلة إسهام المجالس المحلية في أمور المحليات. وحيث إن المحليات هي جزء من الجهاز الإداري للحكم فهي إذن ذات فاعلية محدودة، ومع ذلك لا نفقد الأمل في أن يأتي من يتنازل عن سلطة من سلطاته إلى مجلس محلي ما، وعندئذ تبدأ سلسلة التفاعلات لحل الكثير من البيروقراطية. (4)
نموذج من التفاعل البيروقراطي المتداخل بصورة تجعلها يائسة من إيجاد الحل: تمثل صيانة مياه الشرب في الفرافرة سلسلة من التبعيات في هيراركية مزعجة: فالصيانة مسندة إلى (1) شركة قطاع خاص مفوضة من (2) قبل الهيئة القومية للشرب والصرف الصحي التابعة (3) للهيئة العامة لمشروعات التنمية التي هي أصلا (4) تابعة لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي! جزء من هذه المشرعات سلم للمحليات والجزء الآخر ما زال تابعا للهيئة وتشرف عليه المراقبة العامة للتنمية الريفية والتعاونيات في الوادي الجديد. وقد سلمت الصيانة للشركة؛ لأن الصيانة جانب تريد التعاونيات التخلص منه! ويرى البعض في القطاع الشمالي أنه لحسن الحظ فإن مياه الشرب موصلة رأسا من البئر إلى الشبكة والبيوت دون تلوث، فهل هذا حال كل المستوطنات، وإلى متى؟ (5)
مشكلة اللحوم الحمراء في الفرافرة: هناك مزارعون كثيرون يملكون أبقارا بأعداد تؤدي بهم إلى أن يكون البرسيم الحجازي على رأس محاصيلهم الحقلية. ولكن هؤلاء المربون يجدون في القانون السائد في المحافظة عقبة توقف آمالهم في تحويل المنطقة إلى الإنتاج الحيواني، لما هو معروف من أن الزراعة المختلطة - حيوان وأعلاف - أكثر ربحا الزراعة فقط. لكن المحافظة تسعى إلى الإبقاء على سعر منخفض للحوم داخل المحافظة، ومن ثم تمنع «تصدير» اللحوم المذبوحة والحية خارج المحافظة - إلا بإذن يصدر من الخارجة، وهذا المسعى من الناحية الاجتماعية جيد، لكن لا اللحوم رخيصة بالمعنى المفهوم، ولا الأهالي أصلا من معتادي أكل اللحوم بكثرة لدرجة أنه لا يتم الذبح إلا يوم واحد في الأسبوع. ومن الناحية التشريعية لا يجب أن يكون هناك اختلاف مقنن في أسعار مأكولات أساسية كاللحوم بين أجزاء الوطن الواحد. وكلمة «تصدير» الشائعة هي منافية لوحدة أراضي الدولة، كما أنه لا يوجد مثيل لهذا الإجراء في أي محافظة أو أرض استصلاح يحد الناس في حركة تعاملهم خارج إقليمهم. فمن أين جاء هذا «الحظر» على التجارة؟ والرأي أن تترك الأمور لتقدير المزارعين: هل يريدون ممارسة زراعة القمح أو الأرز أو تربية الحيوان دون أي حظر، لو شرعنا نسبا مئوية من الأرض للحبوب والعلف ستتجزأ الأرض وتصبح منتجة لعدة محاصيل في رقع صغيرة غير عملية في استخدام الآلية الزراعية، فهل نعود لنمط العمالة اليدوية وكثافة السكان ومشاكله؟
1998 (4) النوبة: التعمير والسيادة الوطنية
من منطلق السيادة الوطنية على أرض الوطن ومن منطلق دعوة رئيس الجمهورية للاهتمام بالنوبة، ومن منطلق حرية ما تفعله الدولة على أراضيها من تنمية وإعمار، ومن منطلق عواطف الحنين لدى النوبيين للعودة إلى إقليمهم، ومن كافة المنطلقات الاستراتيجية والأمنية والتنموية من أجل الرفاهية، أكتب هذه الأسطر من أجل إعادة الحياة إلى بلاد النوبة التي كان مصير سكانها الهجرة ثلاثة مرات خلال هذا القرن؛ الأولى والثانية: إلى أراض مرتفعة بعد إنشاء سد أسوان 1902 وتعليته الكبرى 1933، والثالثة: الهجرة خارج النوبة تماما إلى حوض كوم أمبو شمالي أسوان بعد إنشاء السد العالي في الستينيات وغرق كل النوبة القديمة تحت مياه بحيرة ناصر.
النوبيون، شعب النوبة الأصيل الذي اختلط بالعرب والمماليك والكشاف والترك، ومن حقهم العودة إلى ديار هي لم تعد الديار القديمة. ولعل كثيرا من أفراد الجيل الذي عاش النوبة القديمة قد انتقل إلى السماء. ولكن يبقى الشعور بأن هذه هي النوبة وإن امتدت بعرض بحيرة ناصر: فهي الأرض التي تتداخل فيها كتل المياه العظيمة مع جبال الصوان والجرانيت والصخر النوبي، وباختصار فإن سمة التكوين الطبيعي للنوبة منذ القدم إلى الآن هي : الماء والجبل يتركان فراغات كالحبوب الصغيرة يشق فيها النوبي أسس حياة وحضارة مستديمة قليلة التغيير.
إلى متى تظل مساحة كبيرة من الوطن فارغة من السكان والسكن الدائم؟
إلى متى يحلم بعض النوبيين بالعودة إلى بلادهم؟
لقد كانت سيناء فترة طويلة قاصرة على أعداد قليلة من البدو ومحظورة على سكان بقية مصر الانتقال والسفر إليها. فكان ما كان من الضعف الاستراتيجي والاقتصادي لسيناء عشرات السنين. وكان ما كان من اجتياحها المرة تلو المرة في الحروب الأخيرة؛ لأنه لا يوجد مرتكز شعبي يدعم الجبهة استراتيجيا وتكتيكيا!
وقد تنبه المسئولون إلى ضرورة إعمار سيناء. وفعلا حدث إعمار ويحدث إعمار أشد كثافة كل يوم ومشروعات التنمية تدرس؛ ودراسات الجدوى تبحث عن استثمار، والحكومة ضالعة بمشرع كبير للتنمية أساسه شق قناة السلام لجلب مياه النيل من فرع دمياط من أجل زراعة نحو نصف مليون فدان في شمال سيناء، والأموال المقدر تدفقها على سيناء في عشرين عاما تبلغ رقما هائلا قد يصل إلى مئات المليارات من الجنيهات!
Página desconocida