============================================================
(26) ربع العبادت (تاب العلم صورة كانت في النفس مضمنة بالفطرة ومن لم تكن بصيرته الباطنة ثاقبة لم يعلق به من الدين إلا قشوره وأمثلته دون لبابه وحقائقه.
بيان تفاوت الناس في العقل التفاوت يتطرق إلى ثلاثة أقسام من الأربعة المتقدمة، ولا يتطرق إلى القسم الثاني، وهو العلم الضروري بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، فأما القسم الرابع؛ وهو استيلاء القوة على قمع الشهوات، فلا يخفى تفاوت الناس فيه، وهذا التفاوت قد يكون لتفاوت الشهوة، وقد يكون لتفاوت العلم المعرف لغائلة تلك الشهوة، ولهذا يقدر الطبيب على الاحتماء عن بعض الأطعمة المضرة ولا يقدر من يساويه في العقل إذا لم يكن طبيبا، وكذلك يقدر العالم من ترك المعاصي على ما لا يقدر العامي، وقد يكون التفاوت في غريزة العقل، فإنها إذا قويت كان قمعها للشهوة أشد، وهذه الغريزة كنور يشرق على النفس، وتكون مبادئ إشراقه عند سن التمييز، ثم لا يزال ينمى ويزداد نموا خفي التدريج إلى أن يتكامل بقرب الأربعين سنة، كما أن أوائل الصبح تخفى، ثم تتدرج إلى الوضوح إلى أن يكمل قرص الشمس، وكيف ننكر تفاوت الغريزة ولولاه ما اختلف الناس في فهم العلوم، ولما انقسموا إلى بليد لا يفهم بالتفهيم، وإلى زكي يفهم بأدنى رمز واشارة، وإلى كامل تنبعث من نفسه حقائق الأمور دون التعليم يكاد زيتها يضىء ولو لر تمسسه نالد [النور: 35] وذلك مثل الأنبياء صلوات الله عليهم، إذ تتضح لهم في باطنهم أمور غامضة من غير تعلم وسماع، ويعبر عن ذلك بالإلهام، وفي مثل هذا (قال (1) : "إن روح القدس نفث في روعي"(2) .
(1-1) سقط من الأصل.
(2) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (1151)، والبغوي في شرح السنة 304/14، وابن عبد البر في التمهيد 4،6/14 من حديث ابن مسعود.
Página 79