De la Creencia a la Revolución (1): Las Premisas Teóricas
من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظرية
Géneros
ولا يعني ذلك إنكار الحدوس من حيث هي رؤى مباشرة للواقع تؤدي إلى نوع من المعارف الضرورية؛ وذلك لأن الحدس يقوم على الاهتمام بالموضوع والتركيز عليه، وليس مجرد فيض في القلب بلا مقدمات. ويمكن تحليله بعد حدوثه بالعقل، والتحقق من صدقه بالحس، ومطابقته للواقع بالرؤية. الحدس إحدى وظائف العقل الرئيسية من داخله وليس من خارجه، ابتداء من الحس المباشر إلى الحدس وما بينهما من مدركات حسية وتصورات عقلية واستدلالات نظرية؛ العقل هو الحياة الواعية للشعور. كما لا يعني ذلك إنكار المعارف الضرورية أو العلوم الذوقية والأدبية كالشعر والتصوف؛ فالتجربة الشعرية تعطي معرفة مباشرة، وللشعر قدرة على تصوير الواقع ورؤيته. ولا تقل التجربة الشعرية صدقا عن الاستدلال النظري، بل إن الشعراء أحيانا أصدق رؤية من كثير من المنظرين، ومع ذلك يأتي علم العروض والأوزان ليحول هذه التجربة الشعرية إلى علم عقلي استدلالي له قوانينه ومقاييسه المحددة. تجد التجربة الشعرية أحكامها في فن الشعر وصناعة الألحان، كما أن التجربة الصوفية لم تحدث بغتة، بل سبقتها مقدمات هي الرياضات والمجاهدات حتى يتحقق شرط العلم، ومع ذلك، تجد التجربة الصوفية كمالها في تنظيرها وتحويلها إلى علم عقلي؛ لذلك اجتمعت علوم الذوق وعلوم النظر معا في «حكمة الإشراق». يمكن للتجربة الصوفية أن تكون موطنا لظهور الدلالات، وتكون حينئذ التجربة الإنسانية العامة الفردية والاجتماعية والتاريخية وليس فقط التجربة الخلقية، بل إنه يخشى من التجربة الخلقية أن تكون قائمة على أساس مرضي، ونقص في الشجاعة، وضعف في السلوك أو على حرمان وكبت غالبا ما يكون جنسيا أو سياسيا؛ نظرا لحاجة الإنسان إلى الحب والثورة. قد تعني التجربة الصوفية تصفية القلب، وسلامة الطوية، وحسن النية، وظهور عاطفة نبيلة تجعل الإنسان قادرا على إدراك الدلالات؛ نظرا لما تحدث المشاعر النبيلة من إرهاف للحس، وتبصرة بالمدركات مثل عواطف الحب والإخلاص والتضحية والوفاء. هناك إذن فرق بين الإلهام الصوفي وحدس الشعور أو تجربة الوجدان؛ الأول ذاتية خالصة لا يمكن التحقق من صدقها إلا بإعادة التجربة ذاتها من الآخرين، في حين أن حدس الشعور موضوعي يمكن التحقق من صدقه؛ الإلهام الصوفي لا عقلي ولا يخضع لتحليل العقل، في حين أن الشعور حدس عقلي يمكن تحليله بالعقل؛ لأن موضوعه معان ودلالات مستقلة وماهيات. يحدث الذوق الصوفي نتيجة للمجاهدة والرياضة في حين يحدث حدس الشعور نتيجة للشعور اليقظ وتوافر الدواعي والمقاصد والاهتمام والصدق مع النفس والالتزام بموقف اجتماعي وحركة التاريخ. (ه)
أما نفي النظر بدعوى النقل والأثر والوحي والنبوة والنص والحكم والأمر، فإن ذلك هدم للوحي ذاته وقضاء للنبوة ذاتها؛ فالعقل أساس النقل، ومن يقدح في العقل يقدح في النقل. وطالما أثبت الفقهاء «اتفاق صحيح المنقول لصريح المعقول».
18
لا يعني اكتمال الوحي انتفاء النظر، بل يعني نهاية الوحي بعد تطور طويل، ومراحل متعددة حتى تحقق استقلال الإنسان عقلا وإرادة. أصبح قادرا بعقله على الوصول إلى الحقيقة ومستقلا بإرادته على تحقيق فكره ومثله، ورفضه جميع الوصايا عليه من السلطتين الدينية والسياسية باسم الإيمان مرة وباسم الزعامة مرة أخرى. كما يعني ثانيا وضع الشريعة باعتبارها نظاما للحياة دائما، وليس لمكان معين أو زمان محدود أو لفترة تاريخية بعينها أو لشعب خاص أو دفاعا عن مصالح طبقة ضد أخرى. ويكون دور العقل استنباط هذه الشريعة من أدلتها الشرعية وتفصيلها طبقا للمجتمعات المختلفة. لقد أعطى الوحي الأسس العامة وترك التفصيلات لعمل الأجيال واجتهاداتها. كما يعني ثالثا بداية عملية الفهم والتفسير والتأويل. الوحي صامت لا يتحول إلى فكر أو سلوك إلا بالفهم والعمل، الوحي ذاته يتأسس في العقل وفي الواقع وفي الجماعة وفي التاريخ؛ ومن ثم كان الفهم هو موطن الوحي ومحله. ومن خلال الفهم يتحول الوحي إلى واقع، وبناء اجتماعي، وحركة تاريخ.
ولا يعني بيان الوحي لكل شيء انتفاء النظر، بل يعني أن الوحي قد حوى كل الأسس العلمية التي يمكن عليها إقامة نظام في الحياة، وأنه لم يترك أساسا إلا بينه. وقد يعني البيان أيضا إعمال النظر وحدوث البيان بالعقل. وظيفة العقل تحويل هذه الأسس العامة إلى نظام معين لجماعة معينة في عصر معين. وتلك وظيفة الاجتهاد كأصل من أصول الشريعة، بيان الأصل يتطلب استنباط الفرع، ولا استنباط بغير نظر، لا يعني إثبات النظر أي تطاول على النبوة. صحيح أن النبوة تفصيل للوحي وتبيان له كنموذج أول وكنمط يمكن الاسترشاد به، ولكن الواقع يتغير، ويحتاج كل عصر إلى تفصيل أكثر نظرا لما يحتويه الواقع من جدة مستمرة. فإذا كان للوقائع الجديدة ما يشابهها في الوقائع النمطية في الوحي، في الكتاب أم في السنة، أخذت أحكامها. ولا توجد واقعة جديدة إلا ولها أصل في الوحي. النظر إذن زيادة بيان وتفصيل بالقياس إلى بيان النبوة وتفصيلها بالنسبة إلى الوحي، خاصة وأن الوحي ذاته يقوم على النظر، والنبوة أيضا تقوم على النظر قياسا على الوحي. ليس النظر إذن تعديا على النبوة، بل هو قياس عليها وعلى الوحي في آن واحد.
19
ولا يعني ما يبدو في الوحي أحيانا من إشارات إلى خطأ بعض الأقيسة خطأ كل قياس، وبالتالي انتفاء النظر، بل يعني رفض النظر الفاسد والدعوة إلى النظر الصحيح.
20
وهناك مقاييس لصدق النظر وصحته. بل إن الحجج النقلية ذاتها مدعاة للخطأ نظرا لارتباطها بالنقل والرواية وباللغة والفهم وبأسباب النزول وبالناسخ والمنسوخ وبعدم وجود المعارض العقلي.
21
Página desconocida