284

اختلف المسلمون فيما يجوز إجراؤه على الله تعالى من الاسماء، مع إجماعهم على أنه لا يجوز أن يجري عليه تعالى إلا ما تضمن مدحا لقوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى }[الأعراف:180]، فقال الجمهور: كل اسم أو صفة يفيد معنى على جهة الحقيقة وحصل ذلك المعنى في حق الله تعالى فإنه يجوز إطلاقه على الله تعالى وإن لم يرد إذن سمعي؛ إذ لا دليل على منع الحقيقة، ولأن الحقيقة اللفظ المستعمل فيما وضع له، فإذا صح معنى اللفظ صح إطلاقه عليه تعالى؛ إذ هو حقيقة فيه حينئذ، ويجب اطراد الحقيقة حيث لا مانع، وإلا أدى إلى المناقضة؛ لأنا إذا قلنا: لا يجوز إجراء اللفظ في الموضع الذي يفيده فقد ناقضنا كونه مفيدا له، ولا تنتفي المناقضة إلا إذا قلنا بإجراء اللفظ حيث صح المعنى، ولأن العبارة إذا لم يكن فيها وجه قبح ولا ضرر على أحد جوز العقل إجراءها كسائر ما أصله الإباحة، ولأن التفاهم بالألفاظ يتبع المواضعة، وإذا جاز للمتواضعين أن يضعوا اسما يفيد التعظيم على مسميات من دون إذن جاز أن يطلقوا تلك الاسماء إذا أرادوا تعظيم الله وذكره لاحتياجهم إلى ذلك، مع أن الترك ونحوهم من الأعاجم يعبرون عن أسماء الله بلغتهم من دون نكير، والمعلوم أنه لم يرد شيء منها في القرآن ولا في السنة، وليس المقصود بالألفاظ إلا رعاية المعاني، فإذا صح المعنى كان المنع منه عبثا واحتجوا من السمع بقوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}[الأعراف:180 ]وذلك لأن الاسم لا يحسن إلا لدلالته على صفات المدح، فما دل عليها كان حسنا، فوجب جواز إطلاقه للآية، وجواز الإطلاق مشروط بأن لا يوهم الخطأ، فإن أوهم لم يجز إطلاقه على الباري تعالى إلا مع قيد يزيل ذلك ويرفعه بالكلية كوصفه تعالى بجيد؛ لأنه وإن كان المراد به فاعل الجود وهو سبحانه كذلك، لكن في وصفه بذلك إيهام قلة جوده؛ لأنه لا يقال كذلك لمن كمل في الجود، بل يقال: هو جواد، وكالاسماء المشتركة بين معان بعضها يصح إطلاقه على الله تعالى، وبعضها لا يصح كالوجه واليد والقضاء والقدر ونحوها، فلا يطلق على الله شيء منها إلا مع قرينة حالية، أو مقالية ترفع الخطأ وتزيل الوهم، ويعرف بها قصد المعنى الصحيح.

قال الموفق بالله عليه السلام في (الإحاطة): اعلم أن الاسم إذا أفاد فائدة وصحت فيه جاز إجراؤه عليه تعالى إلا لمنع، وكذلك إذا أفاد فائدتين وجازتا فيه وصحتا، فأما إذا صح أحد المعنيين دون الآخر كقولنا إنه تعالى يضل ويقضي بالمعاصي فإنه إن لم يوهم جاز إجراؤه عليه تعالى، وإن كان فيه إيهام لبعض الحاضرين فلا يجوز، ألا ترى أنه تعالى يضل الكفار يوم القيامة عن طريق الجنة، ويقضي المعاصي بمعنى أنه يخبر عن كونها وحصولها، وهو دليل بمعنى أنه فاعل للدلالة.

وقال الإمام (المرتضى محمد بن الهادي) عليه السلام ، و(أبو القاسم البلخي) وأتباعه من البغداديين: لا يجوز إلا بإذن سمعي، وإن حصل المعنى، وهذا هو قول الأشعرية وأكثر فرق المجبرة؛ لأن أسماء الله عندهم توقيفية، فلا يطلق عليه إلا ما أطلقه على نفسه حتى لولم يرد السمع بوصفه بقادر ونحوه لم يجز إطلاقه عليه وإن صح المعنى، واحتجوا بأنا وجدنا العالم له أسماء كثيرة منها: المتيقن، والفقيه، والمتبين ونحوها، ومعلوم أنه لا يجوز وصف الله تعالى بأنه متيقن ونحوه، فلو كان إفادة المعنى مصححة للإطلاق لجاز إطلاق هذه الألفاظ عليه تعالى؛ إذ المعنى حاصل في حقه تعالى، وكذلك فإنا نصفه تعالى بقديم ولا نصفه بعتيق مع إفادتهما التقدم في الوجود، وأيضا فإنا نصفه بأنه حكيم مع أنه مشتق من حكمة اللجام اللتي تمنع الدابة مما تريد، وهو مستحيل عليه المنع.

Página 284