133

ذكريات

ذكريات - علي الطنطاوي

Editorial

دار المنارة للنشر والتوزيع

Número de edición

الخامسة

Año de publicación

١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م

Ubicación del editor

جدة - المملكة العربية السعودية

Géneros

إنني لم أرَ (وقد رأيت آلافًا من الكتب) غلافَ كتاب هو أقبح شكلًا وأبعد عن الذوق من غلاف «مكتب عنبر» الذي أخرجَته المطبعة الكاثوليكية في بيروت ... ومع ذلك فقد ترك مطابع الشام ومطابع مصر واختارها!
أقول: إن «مكتب عنبر» كان الثانوية المركزية في سوريا، كان مدرسة وهو في الحقيقة أكبر من مدرسة، كان منبع الوطنية، كان منار العلم، عاش من أواخر القرن الذي مضى إلى أوائل الحرب الثانية وهو يضمّ جمهرة المتعلمين في الشام، فكان يمرّ عليه كل واحد منهم، يدخل إليه ثم يخرج منه فيعلو في مدارج الحياة أو يغوص في أوحالها، حتى ما تكاد تجد كبيرًا في دمشق ولا ذا منصب ولا نابغًا في علم أو فنّ إلاّ وقد جاز يومًا بمكتب عنبر.
كان من تلاميذه رجالٌ لو عاشوا إلى الآن لكان عمر أصغرهم مئة سنة، أولئك الذين ندعوهم رجال الرعيل الأول. وتسلسلَت القوافل من بعدهم تجوز كلها بهذه الواحة الظليلة، تستمتع بزهرها وتجتني من ثمرها قبل أن توغل في صحراء الحياة.
فإذا أردتم أن تنشقوا الآن رَيّاها وتتعلّلوا -بعد فقدها- بذكراها ففتّشوا كل مَن تلقونه من روادها، علّ معه نفحة من وردها أو لمحة من عهدها. سائلوهم جميعًا عن «مكتب عنبر»، فإن لدى كل واحد منهم طرفًا من حديثه وفصلًا من تاريخه، فأمسكوا بأطراف الأحاديث تجِئ في أيديكم فصول الكتاب. وهيهات هيهات، بعدما فات منها ما فات ومات منهم من مات!

1 / 140