لكن الرغبة في استطلاع الغيب ومواجهة المجهول لم تكن كلها من هذا القبيل، ولا سيما المجهول الذي يعرفه الآلهة وحدهم، ولا يكشفونه لغير المقربين من عبادهم، وهم خدام معابدهم والأمناء على مشيئتهم، والمترقبون لوحيهم في ليلهم ونهارهم، فربما عرض للقبيلة عارض جسيم لا تعرف وجهتها فيه، ولا يدلها على هذه الوجهة طير يراه فرد من أفرادها على صورة من الصور، أو كلمة يسمعها من عابر طريق يستوحي منها البشارة أو الإنذار، فإن شئون الفرد غير شئون القبيلة، وليس لفرد من عامة أفرادها أن يدعي لنفسه القدرة على سؤال أربابها، والفهم عنهم في معابدهم ومحاريبهم، مع وجود الكاهن الذي انقطع لخدمة الأرباب، وورث هذه الخدمة من آبائه وأجداده في أكثر الأحوال، ولا مع وجود الكاهن الذي تربى من صباه في مهد العبادة ليقترب من الأرباب المعبودين، ويفقه عنهم من إشاراتهم ومضامين وحيهم ما يخفى على سواه.
ومن قديم الزمن أيضا وجد الكاهن «المختص»، ووجد «الرائي» الملهم الذي يختاره الإله للنطق بلسانه، والجهر بوعده ووعيده، ولم يكن بين عمل الكاهن وعمل الرائي تناقض في مبدأ الأمر؛ لأن كلام الرائي كان يحتاج إلى تفسير الكاهن، وحل رموزه، ونفي «النفاية» من خلطه واضطرابه؛ إذ كان الغالب على الرائين أنهم قوم تملكهم حالة «الوجد» أو «الجذبة» أو «الصرع»، فيتدفقون بالوعد والوعيد، وينذرون الناس بالويل والثبور، ويقولون كلاما لا يذكرونه وهم مفيقون، فيحسب السامعون أن الوثن المعبود يجري هذا الكلام على ألسنتهم للموعظة والتبصرة، وسمي الصرع من أجل هذا بالمرض الإلهي في الطب القديم.
وكان اليونان يسمون الرائي مانتي
Mantis ، ويسمون المعبر عنه أو المفسر لكلامه بروفيت
، أي المتكلم بالنيابة عن غيره، قبل أن تطلق هذه الكلمة على النبي بمعناها المأثور في الأديان الكتابية، ولكن الفرق بين الرائي والكاهن لم يزل ملحوظا في الأزمنة المتأخرة، كما كان ملحوظا في الأزمنة الغابرة؛ فالكهانة وظيفة، والرؤية طبيعة، والكاهن يقصد ما يقوله والرائي يساق إليه. وقد تشترك الكهانة والرؤية في شخص واحد، ويظل العملان مختلفين، فما يقوله الكاهن قصدا غير ما يقوله وهو «راء» ينطق لسانه بما يعيه وما لا يعيه.
ويصطدم العملان كثيرا بعد ارتقاء الديانة وامتزاجها بالفضائل الأخلاقية والفرائض الأدبية، فإن الكهان في هذه الحالة يجمدون أحيانا على المراسم والشعائر، ويحافظون على مناصبهم بالتماس الحظوة عند ذوي السلطان في بلادهم، ويومئذ يختلف عمل الكاهن المرسوم وعمل الرائي المتطوع، فيثور الرائي على الكاهن، ويتهمه في أمانته وإيمانه، ويحدث بينهما ما حدث بين «أمصيا»، كاهن بيت إيل، وعاموس الرائي؛ إذ يحذره الكاهن على رزقه وحياته فيقول له: «أيها الرائي، اذهب ... اهرب إلى أرض يهودا، وكل هناك خبزا، وكن هناك نبيا. وأما بيت إيل فلا تعد تتنبأ فيها بعد؛ لأنها مقدس الملك وبيت الملك.» •••
وقد وجدت الكهانة والرؤية بين العبرانيين من أقدم عصورهم، كما وجدت في سائر الأمم، ولم يسموا الرائي عندهم باسم النبي إلا بعد اتصالهم بالعرب في شمال الجزيرة؛ إذ وجدت كلمة النبوة في اللغة العربية كما قلنا في كتاب أبي الأنبياء: «غير مستعارة من معنى آخر؛ لأن اللغة العربية غنية جدا بكلمات العرافة والعيافة والكهانة، وما إليها من الكلمات التي لا تلتبس في اللسان العربي بمعنى النبوة كما تلتبس في الألسنة الأخرى.
والعبريون قد استعاروها من العرب في شمال الجزيرة بعد اتصالهم بها؛ لأنهم كانوا يسمون الأنبياء الأقدمين بالآباء، وكانوا يسمون المطلع على الغيب بعد ذلك باسم الرائي والناظر، ولم يفهموا من كلمة النبوة في مبدأ الأمر إلا معنى الإنذار ... وقد أشارت التوراة إلى ثلاثة أنبياء من العرب غير (ملكي صادق)، الذي لقيه الخليل عند بيت المقدس؛ وهم: يثرون وبلعام وأيوب، ومنهم من يقال: إنه ظهر قبل اثنين وأربعين قرنا، وهو أيوب.»
ويعزز هذا الرأي ما جاء في موسوعة الكلمات اللاهوتية
1
Página desconocida