804

قال سيدنا العلامة أستاذ الإسلام حافظ المذهب أحمد بن سعد الدين - أعاد الله من بركته -: هو صالح بن عبد الله بن علي بن داود بن القاسم بن إبراهيم بن القاسم بن إبراهيم بن الأمير محمد ذي الشرفين: كان إماما محققا وعابدا متألها، له عناية بالخير على أنواعه - رضي الله عنه - مولده في رجب سنة ستين وتسعمائة في بلدة حبور من جهة ظليمة في الحصب، منها ببيت يعرف ببيت الحداد، وكانت وفاته - رضي الله عنه - يوم الثلاثاء تاسع رجب الأصب، عام ثمانية وأربعين [وألف عن ثمان وثمانين](2) بشهارة حرسها الله، وقبره عند قبر جده ذي الشرفين متصلا قبره من جهة الشرق بقبر ذي الشرفين - عليهم السلام-. انتهى ما وجدته مقيدا بخطي عن أستاذي المذكور(3)، وكنت رأيت بخطه، وسمعت من لفظه ما هو أبسط من هذا في لقب هذا السيد الجليل، وطال ما ذكره شيخنا في مقام التعجب من عبادته وصبره، واستمراره على وظائف(4) الطاعة، قال: كان الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد وجعل مقامه في الديوان في أي جهة، كان الإمام - عليه السلام- إذا نزل ببلدة، وفرش الديوان الذي هو للحفل فرش للسيد في جانب منه، وقد أمر الإمام السقاء الذي يحمل الماء أنه يبادر عقيب النزول يحمل الماء إلى قرب المحل، فإذا نزلوا آوى السيد إلى قطعة فراشه(5) في الديوان، وفتح كتابه للرقم والدرس والتلاوة(1)، فإذا برز الإمام في ليل أو نهار كان السيد - عادت بركاته - هو المتولي للكتابة في غالب الحال لجليلها ودقيقها.

قال سيدنا - رضي الله عنه -: ,إن نسيت شيئا لا أنس قيامه في السحر وأنا مضطجع وهو قائم يصلي بصوت خفي كأنما يلقي على صدري ماء(2) مخلوطا بالثلج، وحكى له كرامة قد قيدها سيدنا بخطه ولم أجدها فيما قيدت عنه، وهو أنه كان القاضي في صناعة الكتابة ما يخرق العقول في السرعة مع جودة وحسن وألفاظ درية ووفاء بالمقاصد كما علم ذلك كل أحد، فكان يكتب في الوقت الواحد /184/ مالا يظنه ذو همة فأصيب في يمينه بألم قطع الناظرون أن ذلك من العين التي نطقت السنة أنها حق، ولم يزل ألمها ينتابه ويقعده ويصحب ذلك ألم شديد(3) فقبضها السيد - عادت بركته - وقرأ عليها أم الكتاب، فكأنما سل الألم منها سلا - ولم يعاود القاضي حتى مات.

قلت: وحظي - رضي الله عنه - بصحبة الإمام الناصر الحسن بن علي وصحبة الإمام(4) المنصور بالله وصحبة الإمام(5) المؤيد بالله، وفي جميع أيامه هو واحد الكفاة، وبآخرة من أيامه انقطع بمنزله، ودخلت إليه متبركا به في شوال سنة إحدى وأربعين وألف، ودعا لي وبرك. وقد كانت تنوبه غفلة مع كبر السن، فكان إذا عرض عليه الشعر المستجاد والكلم الفائق اهتز له فقد يعرض عليه شيء من شعره يستجيده ويستحسنه ولا يعرف أنه له.

قلت: وأخبرني شيخي القاضي الأديب الحفظة صاحب المكارم حفظ الله أحمد(6) بن سهيل قاضي الهجر أنه رآه في المنام بعد موته - رحمه الله - وكأنه قد حاول كتابة كتاب عن أمر الإمام فأدرك من بعض الحاضرين أنهم تغامزوا بأنه قد كبر وهرم ولم يثبت الكتابة ويجدها فقال في الحال:

Página 356