Matlac Budur
مطلع البدور ومجمع البحور
فلما وصل هذا الرسول إلى زبيد كتم السلطان أمر الحشيشيين، واستدعى رسولا من الإمام وأظهر أنه راغب في الصلح، فوجه إليه الإمام القاضي التقي المخلص يحيى بن الحسين بن عمار من أهل الدين والعلم والحزم والثبات في أموره، وأمره أن يدري بأمر السلطان، فإن كان صادقا كانت المراجعة والعمل على معلوم، وإن كان غير ذلك لم يكن قد ظهر، وهو - عليه السلام - مقيم في حصن حلب(1)، وفي حال ذلك استدعى السلطان للرسول [من عند الإمام](2) [و]وجه الحشيشيين مع ابن أبي الفهم إلى صنعاء وأمر لهما بالملابس النفيسة والمركوب، ولم يدر أحد بهما، وأظهر أنهما رسولان مشرفان على خزائن الحصون أو نحو ذلك، فلما وصل ابن أبي الفهم إلى صنعاء التقاهم السلطان أحمد بن علوان بن بشر بن حاتم بن أحمد بن عمران بن الفضل اليامي، وهو خلصة السلطان وبطانته وموضع سر له وأمانة فأسر إليه ابن أبي الفهم الأمر، ووصل السلطان، وظهر من أمرهم أن هذا ابن أبي الفهم وصل بخزانه، وأنه يريد الصلح بين الإمام وبين السلطان، وأن هذين الرجلين شاهدان أو نحو ذلك، وربما أظهروا أن تسليم حصن كوكبان للإمام وأن يؤخذ عوضه حصن هداد للسلطان، وانتشر الكلام، ومالت خواطر الناس إلى ذلك، واضطرب أشد الناس لذلك /275/ لأمر يرجع(3) إلى نفسه من مكر أو خديعة، وتقدم أحمد بن علوان والحشيشيان(4) إلى حصن كوكبان، وأظهروا للوالي تسليم الحصن، فاضطربت أموره، وأظهروا افتقاد الخزائن والشحن(5)، وكاتب ابن علوان الإمام، وأراه الرغبة من السلطان في الإصلاح، وأظهر أنه يريد الوصول، وأنه يطلب الرفاقة والذمة الأكيدة، فلم يبق عند الإمام - عليه السلام - شك في رغبة القوم في الصلح وأن وراءهم أمر أوجب ذلك، فأمر بالذمة فلم يلبث أن قدم الشيخ من الحشيشيين ومعه رجل من مولدي الغز يقال له: ابن التائه يقال: إنه خدع في صحبة الحشيشي، والظاهر يحكم عليه بالبغي والعدوان، فوصل الرجلان آخر يوم الخميس، وهو السادس من ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وستمائة، فأذن أمير المؤمنين - عليه السلام - بإنصافهما وإكرامهما، واستأذن الرجلان في السلام، فأذن أمير المؤمنين - عليه السلام - لهما، وكان عنده السلطانان الأجلان الناصران شجاع الدين جابر بن أسعد، وأسد الدين محمد بن الوشاح في عصابة من أجواد قومهم قريب من الخمسين، فقيل لأمير المؤمنين في الحزم والحذر من كيد الحشيشية، وكان معه من الأجواد مالم يمكن الحشيشي معه أن يثب، فدخل الحشيشي وسلم على الإمام هو وصاحبه والإمام على نهاية الحذر منهما في ذلك الأوان، وخرج هو وصاحبه بعد ساعة، وكان من الغد وهو صبيحة يوم الجمعة، فأظهر الحشيشي أنه مريض، فلما حضر وقت الجمعة خرج أمير المؤمنين إلى موضع في الحصن وصلى بالناس صلاة الجمعة، وجاء إليه رجل من أهل ثلأ، فأشار إليه أن يحزم من الحشيشي، فلم يصدق الإمام وخصوصا بعد ما لم يثب في الليلة التي وصل فيها. ثم إن أحمد بن علوان وصل إلى حصن ثلاء لما علم من المشائخ أهل ثلاء أنهم اضطربوا من شائعة تسليم حصن كوكبان، وهم في ذلك الأوان محاربون للإمام - عليه السلام - ومباينون له، فطيب نفوسهم وهو يقوم، ويقعد، ويتطلع الكائنة من الحشيشي، فلما كان بكرة السبت عند طلوع الشمس حصل الحشيشي وصاحبه، وأظهر أنه يريد صرم الأمور والوداع والرجوع إلى ابن علوان، وأنه ما وصل إلا شاهدا؛ لأن السلطان قد بلغه أن ابن علوان لا يريد صلحا بين الإمام وبينه، فأمر الإمام أن يخلى له المكان، فلم يبق مع الإمام إلا ثلاثة، وهم عمدة خواصه: الفقيه العلامة الأوحد نظام الدين خاصة أمير المؤمنين القاسم بن أحمد الشاكري، والفقيه الطاهر التقي داعي أمير المؤمنين محيي الدين معلى بن عبد الله القسي، ثم البهلولي، والشيخ الطاهر المخلص تقي الدين خاصة أمير المؤمنين عبد الله بن يحيى بن علي الصعدي، وأمر أمير المؤمنين أن تقف على السلاطين ومن معهم في مجلس قريب منه وخدمه وأتباعه كل واقف في موضعه من القصر /276/، فلما دخل الرجلان على الإمام إلى مجلسه وهو على مرتبته التي ينام عليها والمجلس في طوله إلى مقدار خمسة عشر ذراعا، فلما دخل الرجلان، وكان الإمام في شرقي المجلس وأصحابه في غربيه، فرد السلام وتحدث بحديث غير طائل ولا منظم، ثم استأذن الإمام وأصحابه أن يلقي إلى الإمام حديثا سرا فتوهم الكل أن معه حديثا من السلطان، فدنا من الإمام قليلا حتى بقي بينهما نحو ذراع وبينه وبين أصحابه أذرع، هذا تقدير، ثم تحدث بحديث كحديث السكران، وقد قيل: إنه أكل ذلك اليوم من الحشيشة التي تسكر بها الصوفية وقطع للإمام، وكلما تحدث معه الإمام أو سامه أمرا احتمل بثيابه فاستنكر الإمام حديثه، ثم طلب من الإمام أن يكتب له ورقة أمان، وأن يكون يختلف هو وابن أخيه ولم يكن عنده أنه يظفر في كرته، وأزمع على القيام والوداع على غير طائل ولا ريدة في أمر من الأمور. قصة وثبة الحشيشي على الإمام - عليه السلام - قال الراوي: ثم إن الإمام أشار إلى الفقيه نظام الدين أن يدنو ليحسن في خروج الرجلين بلطف وأدب لما رأى حديثه غير منتظم، وتزلجا عنه، ويخبرهم أن ما حديثه بطائل، فدنا الفقيه نظام الدين من الإمام فشاوره الإمام في أذنه اليسرى وعينه مع الرجل وهو باسط يديه على فخذيه، ثم إن الفقيه أراد الجواب على الإمام فشاوره مقابلا لأذنه اليمنى، فعند ذلك ستر ما بين الحشيشي والإمام(1) لحظة، فحصلت له الفرصة فجذب سكينا حوصبة عظيمة قريبا من عظم ذراع بمقبضها قد كان أعدها في باطن فخذه، ثم قام في أسرع ما يكون وانحط على الإمام بعد أن رفع يده، وتطاول على قدميه خيفة أن يكون الإمام دافنا لدرع أو نحوه، فأحس به الإمام - عليه السلام - فوثب قائما في الأرض وفضل عمامته في الأرض فوقعت رجله فيها أو في ناحية الفراش، فسقط على جنبه الأيمن، فوقعت الطعنة في موضع المحجمة من كتفه الأيسر، فمرت نحوا من ثمان أصابع إلى نحو عظم صلبه بعد أن أخذت نيفا وخمسين طاقا في العمامة، وطاقات في فوطة جديدة عليه، وثلاث طيارات في عطف سوحه والدراعة وما تحتها، ودنا عدو الله يطعن الثانية فوثب عليه الفقيه العلامة نظام الدين القاسم بن أحمد الشاكري، فقبض على السكين بيده، ووقعت الواعية في الدار، وصرخ الصارخ، وكانت ساعة لم ير الناس مثلها، ولم يشك أحد أن الإمام قد قتل، وقام الإمام وطعنته ترش من خلفه (دما)(1)، فأحس بالحرائم أنها قد خرجت على الناس فشغله ذلك عما معه، فخرج فردهن، وقد كان ابن التائه دخل على الحرائم فقيل: إنه أراد أن يقتل ولد الإمام الصغير المسمى الناصر محمد بن أحمد، وقيل: أراد أن يستجير، والله أعلم.
ثم قال الإمام أمير المؤمنين لأصحابه: اقتلوا الرجل، واشتغل بستر الحرائم، ودخل الناس على الحشيشي /277/ وقد شد الفقيه العالم يديه وضغطه إلى جدار(2) حتى ما استطاع حراكا معه، فدخل عليه رجلان من خدم الإمام فضرباه على رأسه بالسيف حتى صرعاه، ثم وقع فيه من دخل، وعاب(3) الناس في الدار، فنهب من الدار شيء من الثياب والحرير، وقتل ابن التائه في دار الحريم بغير أمر من الإمام وصرخ(4) الصارخ إلى ثلاء في الحال، فوقع عند المشائخ من ذلك مصيبة عظيمة، وخاف أحمد بن علوان على نفسه.
Página 503