Matlac Budur
مطلع البدور ومجمع البحور
مفيد ومتلاف إذا ما أتيته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند وترجم الجلال الأسيوطي للصاحب ترجمة لطيفة، قال: إسماعيل بن(1) عباد الطالقاني، أبو القاسم الوزير، الملقب بالصاحب، كافي الكفاة، ولد في ذي القعدة سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وأخذ الأدب عن ابن فارس وابن العميد، وسمع من أبيه وجماعة، وكان نادرة عصره، وأعجوبة دهره في الفضائل والمكارم، حدث وقعد للإملاء، وحضر الناس الكثير عنده بحيث كان له ستة مستملون، وكان في الصغر إذا أراد المضي إلى المسجد ليقرأ تعطيه والدته دينارا في كل يوم، وتقول له: تصدق بهذا على فقير ففير تلقاه، فكان هذا دأبه في شبابه إلى أن كبر وصار يقول للفراش كل ليلة: اطرح تحت المطرح دينارا أو درهما لئلا ننساه، فبقي على هذا مدة، ثم إن الفراش نسي ليلة من الليالي أن يطرح له الدرهم والدينار فانتبه وصلى وقلب المطرح ليأخذ الدينار والدرهم(2) ففقدهما فتطير من ذلك وظن أنه لقرب أجله، فقال للفراش: خذوا كل ما هنا من الفراش وأعطوه لأول فقير تلقونه حتى تكون كفارة لتأخير هذا، فلقوا أعمى هاشميا يبكي على يد امرأة، فقالوا: تقبل هذا؟ فقال: ما هو؟ فقالوا: مطرح ديباج ومخاد ديباج، فأغمي عليه، فأعلموا الصاحب بأمره، فأحضره ورش عليه، فلما أفاق سأله، فقال: اسألوا هذه المرأة إن لم تصدقوني، فقالوا له: اشرح، فقال: أنا رجل شريف لي ابنة من هذه المرأة خطبها رجل فزوجناه ولي سنتان، أخذ القدر الذي يفضل عن قوتنا، أشتري لها به جهازا، فلما كان البارحة قالت أمها: اشتهيت لها مطرح ديباج ومخاد ديباج، فقلت: من أين لك ذلك؟ وجرى بيني وبينها خصومة إلى أن سألتها أن تأخذ بيدي وتخرجني حتى أمضي على وجهي، فلما قال هؤلاء هذا الكلام حق علي أن يغشى علي. فقال: لا يكون الديباج إلا مع ما يليق به، ثم اشترى لها جهازا يليق بذلك المطرح، وأحضر زوج الصبية ودفع إليه بضاعة سنية، وبقي الصاحب في الوزارة ثماني عشرة سنة /249/ وشهرا لمؤيد الدولة ابن ركن الدولة علي بن بويه وأخيه فخر الدولة، وهو أول من سمي بالصاحب؛ لأنه صحب مؤيد الدولة من الصبا وسماه الصاحب، فغلب عليه هذا اللقب، ولم يعظم وزيرا مخدومه ما عظمه فخر الدولة، ولم يجتمع بحضرة أحد من العلماء والشعراء والأكابر ما اجتمع بحضرته، وعنه أنه قال: مدحت بمائة ألف قصيدة عربية وفارسية ما سرني شاعر كما سرني أبو سعيد الرستمي الأصبهاني بقوله:
ورث الوزارة كابرا عن كابر ... موصولة الإسناد بالإسناد
يروي عن العباس عباد وزا ... رته وإسماعيل عن عباد
وللصاحب من المصنفات المحيط في اللغة عشرة مجلدات(1) [ومن] رسائله، (الكشف عن مساوئ المتنبي)(2) (جوهرة الجمهرة) (ديوان شعر)(3) وغير ذلك(4)، مات ليلة الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وأغلقت مدينة الري، واجتمع الناس على باب قصره ينتظرون جنازته فلما خرج نعشه صاح الناس بأجمعهم صيحة واحدة، وقبلوا الأرض، ثم نقل بعد ذلك إلى أصبهان، وشهرته تغني عن الإطناب ومن شعره:
قال لي: إن رقيتي ... سيء الخلق فداره
قلت: دعني وجهك ال ... جنة حفت بالمكاره
انتهى كلام الجلال السيوطي.
Página 455