Matlac Budur
مطلع البدور ومجمع البحور
وكان هذا الشيخ أبو الحسين - رضي الله عنه - بمقام الوراثة النبوية حقا، فإن أخلاقه ودعاءه إلى الله من العجائب على صنوف شتى، وسنذكر من ذلك طرفا، فمن ذلك مناظرته للنقوي عبد الله بن كليب أو ابنه سلمة في القدر، فإنه لما أحصر النقوي تفل بوجه أبي الحسين، بعد أن ظهر للعامة إحصار النقوي، ولم يبق إلا الجهالة، فلاذ بها، فبزق إلى وجهه، فضحك أبو الحسين وقال: أجمعت العلماء أن الريق طاهر.
وحكي أنه كان بناحية أثر من الخشب رجل تاب على يده - رحمه الله - وكان عاميا جاهلا، فمكث أبو الحسين يداريه، ويرفق به لئلا يظهر له من أمر الدين شيء يشق عليه، فيرجع على عقبيه، ويعصي ربه، فاتفق أنه أصاب الناس مجاعة عمت الناس، وكان الخشبي المذكور من أهل النعم والثروة، فرزق الله أهل جهته ثمرة صالحة وزراعة ثقيلة راحت بها حالهم والناس في الشدة، فأتى هذا الرجل أبا الحسين وقد رأى غلاء الطعام وقد غلبه شح النفس وثقل عليه إخراج زكاة البر من البر، فقال: يا أبا الحسين هل تكون زكاة البر من الشعير؟ ففطن أبو الحسين فقال: نعم، فأخرج مكان مكيال من البر مكيالا من الشعير ودفعه إلى المساكين، فحيي به بشر كثير من ضعفاء المسلمين ذلك الوقت، فأنكر أصحاب الحسين ذلك عليه، وأتوه في ذلك فقال: يا قوم، هذا شيء قلته عن رأي لا عن شرع، غلب على ظني أني لو قلت لا يجزي على البر إلا البر ثقل عليه، فأخل به وبخل، وإ ذا بخل قالت له نفسه قد عصيت الله في واحدة ومن عصاه في واحدة كمن عصاه في أكثر، فيترك الصلاة ويرتكب المعاصي، وإذا ثبت على الديانة فسيتعلم - إن شاء الله - ويخلص نفسه، ونظرت إلى المساكين، فعلمت أن الشعير أنفع لهم من العدم، فكان الأمر كما قال أبو الحسين صلح ذلك الرجل، واستدرك أمره، وعوض الزكاة برا، ورسخ في قلبه حب الله، وصلحت حاله.
Página 372