واسمها العربي الميرية، وهي على مسيرة 6 ساعات بحرا من ملاغة، اشتهرت بما تصدر من معادن إسبانيا؛ ولذلك ترى بواخر الإنكليز وسواهم كثيرة في ميناها ولم تزل بها بقايا الاستحكامات العربية في الجبل الملاصق لها، وسكان ألميرا لا يزيدون عن خمسين ألفا، ولها متنزهات، أهمها ميدان الأمير، فيه تماثيل شهداء الحرية الذين قتلوا بسبب ميلهم إلى الحرية في ثورة سنة 1824.
قرطاجنة:
وذهبت بعد هذا إلى قرطاجنة في حين كثرت الأنواء واضطربت مياه البحر بسبب ريح تعرف عندهم باسم مسترال تهب من شطوط إسبانيا، وهم يخشون في مرسيليا شرها؛ لأنها توجد الخطر في البحر وقد تضر بالمزروعات في البر؛ ولذلك عقدنا النية على إتمام السفر برا بسكة الحديد مع طول المسافة، وهي لا تقل عن 80 ساعة فلما وصلنا قرطاجنة رأينا في الميناء عدة بواخر إنكليزية لنقل الأبضعة، فإنه يشحن من هنا إلى الخارج خمر كثير غير معادن الحديد والرصاص التي يستخرج منها قناطير مقنطرة كل عام. وفي الجبل المحدق بهذه المدينة آثار حصون عربية تشهد بأهميتها الماضية في تاريخ إسبانيا.
فالنسيا:
عدد سكانها مائة وثمانون ألف نسمة، واسمها العربي بلنسية، تبعد عن قرطاجنة بقطار البخار عشرين ساعة، والأرض بينهما أريضة رصعت بيانع الخضرة، ومن أجمل مناظرها غابات من شجر البرتقال ظل القطار البخاري يسير بينها مدة 4 ساعات متوالية، وقليل مثل هذا بين المزارع في اتساعه حتى إنه متى جاء موسم الزهر تكثر رائحته في هذه الغابات إلى حد أن المسافرين في القطار يضطرون إلى إقفال نوافذه من شدة هذه الرائحة، ووصلناها بعد أن مررنا بمدن عديدة، مثل المنارة ومرسي والشي، وهي كثيرة الشبه بالجيزة لما فيها من شجر النخيل. وبلنسية ثالثة مدن إسبانيا في الأهمية، ولتجارتها أهمية كبرى. والمدينة قسمان: القسم العربي القديم والقسم الإسباني الحديث، فأما العربي فطرقه ضيقة عوجاء، وأهمه مواقع حصون وقلاع وفيه قصر قديم عربي جعلوه الآن مقرا لمجلس التجارة ، ولم تزل محاسنه العربية على حالها، وجوانبه المذهبة تسطع كأنها هي من صنع الأمس. وأما القسم الجديد فأكثر من الأول نظاما وتكثر فيه منازل الأغنياء والسراء شادوها على النسق العربي، وفيه متنزه اسمه ألميدا يكثر تردد الخلق إليه نساء ورجالا. ولهذه المدينة شهرة بالجمال وحسن الموقع، وهي من أكثر مدن إسبانيا حركة وعملا.
برشلونة:
ولكن أجمل مدن إسبانيا بلا خلاف هي برشلونة، ليس يستثنى من ذلك مدريد، ولو تكون هي العاصمة فإن برشلونة هذه قريبة من فرنسا فأهلها يتخلقون بأخلاق الفرنسيس في حب الزخارف وفي الاجتهاد والسعي. وقد كان سيرنا إلى برشلونة في إقليم من الأرض لا مثيل له في جودة التراب وطيب الهواء والماء، وأرضه تسقى من أقنية فخارية صنعت من أيام العرب، وما طرأ عليها اختلال إلى هذا اليوم، والسفر في هذه الجهة من إسبانيا الجنوبية كثير اللذة بديع المناظر من ناحية البر وناحية البحر؛ فإن هيئة إسبانيا هنا مشهورة بجمالها وبدائعها الكثيرة.
وعدد سكان برشلونة ستمائة ألف نسمة، وهي وافرة الإتقان وافية التنظيم خلافا لأكثر مدائن إسبانيا، ولأهلها أخلاق الفرنسيس وهمتهم - كما ذكرنا - وهم ينددون بالحكومة لاتخاذها مدريد عاصمة لها بدل مدينتهم الزاهرة، وأهل برشلونة أقل سمرة من بقية الإسبانيين وأكثرهم نعمة وترفا، ترى الرجال والنساء منهم دائما يتزينون بالأزياء الفرنسية، وهم أهل بذخ ورواء ظاهرين. ولقد كانوا فيما مر أهل بأس في الحروب ردوا الأعداء عن بلادهم مرارا ولهم تاريخ مشهور. وبرشلونة حافلة بالملاهي والمراسح والميادين والمتنزهات في كل جانب، ولأهلها ولع بالقصف والطرف، فهي مجموع قصور بين غياض الشجر وبرك الماء البديعة، وشوارعها تحكي الحراج الغضيضة في تناسق أشجارها ونضرتها، وأهم هذه المواضع ميدان راميلان واسمه العربي رملة، طوله 1200 متر وعرضه 450، وهو حافل بالشجر الباسق تشامخت أغصانه، وأهل المدينة يؤمونه عصاري كل نهار؛ لاستنشاق الهواء النقي وسماع الأنغام، فيلذ للغريب انتياب هذا الموضع؛ لأنه يرى فيه من المناظر الحسنة والوجوه النقية الطلقة ما لا يراه في موضع آخر من إسبانيا.
وينتهي هذا الميدان عند البحر ، حيث أقيم تمثال خرستفوروس كولمبوس مكتشف أميركا، ويتصل بميدان آخر اسمه ميدان العمود طوله 600 متر، وهذا يتصل بميدان الملكة إليصابات طوله 700 متر، ويليه ميدان رابع اسمه ميدان الملكة طوله 500 متر، وإلى جانبه ميدان خامس يعرف باسم سان جوان طوله نحو 500 متر، فطول هذه الميادين جميعها لا يقل عن 3500 متر، وقد كنت أمر في شوارع هذه المدينة البهية فلا أنتهي من ميدان حتى أدخل ميدانا آخر مثله في الرونق والبهاء وكلها معارض لجميل الشجر وشهي الزهر، والأبنية المتقنة تحيط بها من كل جانب، فيها المنازل المشيدة والمخازن الكبيرة والحانات المزخرفة والبرك الواسعة تتدفق منها المياه العذبة، فكان لمنظر برشلونة هذه تأثير نفسي. وإلى يمين الميدان الأخير حديقة عمومية دخلتها فألفيتها روضة غناء من ضمن محاسنها تمثال الظفر، وهو عبارة عن جسم امرأة في مركبة تجرها جياد أربعة، والتمثال كله مذهب فوقه شلال ماء ينحدر منه الماء الزلال على صخور صناعية، ويصب في غدير تروى منه جوانب الحديقة، فإذا وقفت في طرف الرواق وتأملت هذه المناظر كلها لم يزل رسمها من ذهنك ولو طال عليها الزمان، هذا غير ما في المدينة من معارض الصور ومرابض الوحوش البرية مما أعدل عن وصفه مطولا؛ لأنه لا يختلف عما ذكرت من نوعه في المدائن الأخرى.
ومما يذكر في برشلونة أيضا كنيستها الكاتدرائية زرتها وأعجبت بجمالها وإتقان ما فيها، ورأيت هنالك وفي كل جهة من تعبد الإسبانيين شيئا كثيرا، فهم أشد الكاثوليك تمسكا بدينهم، وقد كنت أراهم يقبلون جدران الكنائس وإذا رأوا في القطار قسيسا مسافرا دنوا منه وقبلوا يديه، وعلاقة حكومة إسبانيا بالحضرة البابوية مشهورة من عهد بعيد، وقد نشأ في هذه البلاد طغمة الآباء اليسوعيين، وهم من أركان المذهب البابوي - كما لا يخفى - فإن أغناتيوس لويولا مؤسس هذه العشيرة كان إسبانيا.
Página desconocida