وتذكر البرقية فجأة فقال: خذي الخشب أيتها المرأة الطيبة، وأخبريني من أحضر هذه البرقية؟
وذهبت أنجيل وهي لا تزال في شك من أمر سيدها لتجمع الخشب وتضع السلة في مكانها، ثم قالت: لقد أحضرها رجل البريد بعد خروج سيدي بخمس دقائق. - هل كان واثقا من أنها لي؟ - أجل يا سيدي، فإن اسمك عليها وعنوانك.
وكان هذا فعلا، فلم يشك سيرل في أنها له، فمزق غلافها، وكانت البرقية باللغة الإنجليزية، وقد جاء فيها:
أخبرك بموت اللورد لونجفيل المفاجئ على أثر حادث في الصيد، وأنت من يليه مباشرة من بين أفراد الأسرة. فالمرجو حضورك بأسرع ما يمكن. كاربن وهوستن وكلاء دعاوى فندق لينكولن فيلدز لندن.
وقرأ سيرل البرقية ثلاث مرات قبل أن يدرك مغزاها، ثم وضعها فوق المنضدة وبدأ يتناول فطوره وهو يقرؤها للمرة الرابعة، وقد ترك لأفكاره العنان منقبا وراء ما جاء فيها:
أولا:
عن الإمضاء «كاربن وهوستن وكلاء دعاوى»، وتذكر سيرل تلك السنين البعيدة أيام أن كان صبيا، وقد جاء إلى باريس ليجرب حظه في عالم الفن، لقد كانت تصل إليه بضع رسائل ممضاة باسم «كاربن وهوستن وكلاء دعاوى»، وعلى كل حال فإنه لا يتذكر ماذا كان في هذه الرسائل ، ولا السبب الذي دعا هؤلاء الوكلاء اللندنيين إلى تحمل مشقة البحث عن مسكنه، فربما حصلوا عليه من دفتر البوليس، وهذا كل ما هناك.
وثانيا:
ذلك الاسم لونجفيل، اللورد لونجفيل؛ فقد كان سيرل يعلم أن له ابن عم اسمه فرانسيس برتراند، أو اللورد لونجفيل، غير أنه لم يكن ليهتم بتتبع أخباره أو معرفة الجهة التي يقطن فيها، وقد اتضح له الآن أنه كان يقضي بعض الوقت في صيد أشياء، ويظهر أنه قد أصيب في حادثة فمات، ولكن ما علاقة موته به؟! وما الذي يدعو هؤلاء الوكلاء اللندنيين إلى تكليف أنفسهم مشقة إبلاغه هذا الخبر؟!
ولم تطرأ الفكرة على ذهن سيرل إلا بعد أن تناول قهوته، لقد جاء في البرقية: «وأنت من يليه مباشرة من بين أفراد الأسرة»، أتعني هذا أنه قد أصبح في لحظة رجلا ذا لقب ومال؟! وعلى كل حال فما الفائدة من كل هذا؟! لئن جاءته هذه الأشياء منذ بضعة شهور لاختلف الأمر الآن، ولما كانت فيرونيك قد عقدت خطبتها على أخيه غير الشقيق! ولكن ليس هناك فائدة من كل هذا. وأحس برغبة في أن يقذف بتلك البرقية في النار؛ «المرجو حضورك بأسرع ما يمكن!»، إنه لن يذهب بأسرع ما يمكن، بل ربما لا يذهب مطلقا، إلا إذا انتهى من موضوع حصن دايك كما وعد صديقه بذلك، وبحركة عنيفة أطبق بيده على الورقة، وبينما هو يهم بإلقائها في النار سمع وقع خطوات لينة فوق أرض الغرفة الحجرية، وكانت الساعة وقت ذاك تدق التاسعة، فدس سيرل ورقة البرقية في درج مكتبه، وصاح الكونت فريزن وهو يدخل الغرفة: ها أنا ذا.
Página desconocida