فزعامة من هذا النوع نملأ بها الدنيا من الجعجعة قبل أن نقوى على تحريك الرحى تنشر في الصحف أنها تفعل كثيرًا وهي لا تفعل شيئًا وأنها تمثل نشاط نساء البلاد ودرجة ثقافتهن وهي في الواقع تمثل كسلهن أو ضعفهن أة جهلهن المطبق وإن جمعيات من هذا الصنف تقف المثقفات عنها في نجوة، لحرية بالسخر اللاذع. وكثيرًا ما تنقلب هذه الجمعيات الأدبي إلى جمعيات خيرية وليس من عجب في ذلك لأن الجمعيات الخيرية في سورية ولبنان ناجحة، لسهولة تأثر الناس بالدعوة إلى التصدق وصعوبة تأثرهم بالدعوة إلى فكرة علمية أو أدبية ولأن الجود بالمال أيسر على أمثالنا من الجود بالأدب. وإن تصدقك على مريض أو بائس بربع ليرة مثلًا أهون عليك من تصدقك ببحث طريف مستفيض لأن قرضنا لله مبلغًا زهيدًا من المال نتوقع أنه سيعوضه علينا بالفائدة الفاحشة ألفًا، هو مثار السذج على الغالب إلى التصدق على البائسين وإلى معاضدة الجمعيات الخيرية لاسيما النسائية منها.
يستنتج مما تقدم أن الدعوة إلى تأييد الصناعة الوطنية من جمعية لا تقتصر ما بتباع على المآكل والملابس الوطنية، وإن الدعوة إلى التهذيب والأدب من جمعية لا تقوى عضو فيها أن تثير العاطفة أو تخاطب العقل، وإن الدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي من جمعية لا تقدر أن تتلمس إليه طريقًا غير الذي ترشدها المبشرات الأجنبيات إليه، وإن الدعوة إلى رفع مستوى المرأة وإصلاح شؤونها بتعديل ما تئن منه من الشرائع من جمعية لا تغامر بشيء في سبيل الأرغام على وضع تشريع جديد يضع حدًا للشكاوي والمظالم، أجل أن هذه الدعوات كلها الملقبة بالنهضة النسائية ما تزال ضعيفة خائرة لضعف القائمات بها ولخور في عزائمها ولأنَّ أكثرهن ينتحي بها طريق الشهرة لا طريق التضحية والنكران والمغامرة بالوقت والدرس والمفاداة بالمال والنفس.
وستبقى هذه الدعوات صرخات في واد تصلك منها آذان المثقفين إلى أن تتحسس المثقفات بضرورة تغذيتها ودعمها بروح العلم وميزان العقل تحقيقًا للغاية منها وإلى أن يتناولن بذورها ليغرسنها في حقول سوريا ولبنان متعهدات بحرث منابتها وسقيها وتنقيها لتغدو أزهارها حية نامية لا أزهارًا توضع في الآنية أيام الحفلات لتذبل في الغد ذبول الجني من الأزهار.
1 / 58