842
تمصير اللغة
نريد بهذا التمصير ما ذهبت إليه أوهام قوم من الفضلاء يرون أن تكون هذه اللغة التي استحفظوا عليها مصرية، بعد أن كانت مضرية، وأن نطّرد لهم مع النيل بعدد الترع وعداد القرى حتى ترسل الكلمة من الكلام فلا يجهلها في مصر جاهل ويصدر الكتاب من الكتب فيجري من أفهام القوم في طريقة واحدة ويأخذ منهم مأخذًا معروفًا غير متباين بعضه من بعضه ولا ملتو على فئة دون فئة ومن ثم يزين لهم الرأي أنه لا يبقى في هذا الجمّ الغفير. . . من علمائنا وكتابنا وأدبائنا من لا يعرف أين يضع يده من ألفاظ اللغة ومستحدثاتها إذا هو كتب أو مصَّر عن لغة أجنبية - ولا نقول عرّب فإن هذه بالطبع غير ما نحن فيه_بل يأخذ من تحت كل لسان ويلقف عن كل شفة ولا يبعد في التناول إلى نضطرب واسع ولا يمضي حيث يمضي إلا مُخِفًّا من هذه القواعد وتلك الضوابط العربية إذ تتهادن يومئذ العدوتان هذه العامية وهذه الفصحى وتصلحان بينهما صلحًا أن لا ترفع إحداهما في وجه الأخرى قلمًا ولا لسانًا وعلى أن تبيح كلتاهما للثانية حرية الانتفاع بما يشبه حرية التجارة إلا في المواد المضرة التي يعبر عنها دهاة السياسة اللغوية بالألفاظ العامية المبتذلة والألفاظ العربية الغريبة - ثم على أن تحفل إحداهما ما تركت الأخرى مما سوى ذلك فتستمر العامية على ما هي وتذهب الفصحى على وجهها.
يقولون أن هذه هي شروط الصلح بين اللغتين أو هي المعاني التي ترجع إليها وتترادف بها متى أرادوا أن يبسطوا من هذه الشروط ويخرجوا بها إلى التعدد والكثرة، وإنما تلك آراء كان يتعلق عليها بعض فتياننا إفراطًا في الحمية ومبالغة في الحفيظة لمصر وأملًا مما يكبر في صدورهم على ما ترى من تهافتها وضعف تصريفها واضطراب أولها وآخرها لأنهم لا يثبتون النظر فيها ولا يحققون خطوة ما بين الإرادة والقدرة وفَوتَ ما بين الأمل والعمل ثم لا يعرفونها إلا أحلامًا قريبة الأناة ساكنة الطائر فكان ذلك عذر العقلاء إذا مروا بها لمامًا وتروحوا بالأعراض عنها سلامًا حتى تناولها الأستاذ مدير (الجريدة) فحذفها وسواها وأخرج منها طائفة من الرأي تصلح أن تسمى عند المعارضة رأيًا. فقال بالإصلاح بين العامية والفصحى على طريقة تجعل هذه تغتمر تلك وتحيلها إليها فعسى أن يأتي يوم لا تكون العامية فيه شيئًا مذكورًا.
بيد أنه أخرج هذا الرأي البليغ من غير بابه، وتسبب إليه في النظر بما ليس من أسبابه،

13 / 1