592
ويقول - والعهدة عليه - إن أطيار الجنة شواعر ترتل آي التسبيح وتتغزل بحور الفردوس وولدانه. وتترنم بمحاسن رياضه وجنانه بقصائد لا يأني شعراء الأرض بشطر من مثلها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا وألحان سماوية لو سمعتها الأفلاك الدائرة لوقفت تنصت إليها ولو طرقت نغمة من أنغامها آذان البشر لرأوا بينها وبين غنائهم فرق ما بين صرير الجنادب وأناشيد داود ﵇.
خلوت به يومًا في بعض البساتين. فقلت له. أراك تكشف لي عن سرائرك، وتطلعني على أسرار ضمائرك، إلا سرًا واحدًا لا تزال تكتمه عني. ولا أراني راضيًا عن صحبتك تمام الرضى ما دمت تحجب عني ذلك السر وتراوغني فيه.
قال. كذلك عرفناكم يا بني آدم. لا يزال أحدكم يطمع فيما ليس له حتى يفقد ما بيده، ولئن كانت في نفس الإنسان خلة تفسد عليه من أمره ما لا يفسد الشيطان فتلك خلة الطمع التي تأصلت من طباعكم ورسخت في صميم نفوسكم.
قلت. ما أحسبك أقنعتني بهذه الفلسفة وهب الأمر كما تقول ألا يقوم عذرًا لديك ما تعلمه من هذه الطباع فينا.
قال. يشبه أن يكون الأمر كذلك فماذا عساك تريد أن تسألني اليوم؟؟
فرأيت أن أصارحه فيما أردت وكنت قبل ذلك أواربه فيه وألمح إليه تلميحًا بعيدًا.
قلت. أنا أعلم أن مثل أبليس في دهائه وفطنته لا يفوته أن يكتب سيرة حياته في دفتر يذكر فيه غواياته ووقائعه مع مريديه وزمرته، وأنا في شوق إلى تلاوة صفحات من ذلك الدفتر. فإن إبليس كما تعلم إمام شياطين الشعراء. وليس ألذ لمثلي من تلاوة شذرة أو شذرات مما يمليه ذلك العقل القادر على يراعه الساحر. فإن شئت أن تنتزع ورقات من كنائسه فتأتيني بها كنت لك شاكرًا أبد الدهر.
قال: إنك تحدثني بأمر جلل. ألا تعلم أن إبليس ملك ملوك الجان، وإنني إن أفشيت سرًا من أسرار ديوانه حاق بي غضبه، ولت بي نقمته، ولا آمل أن أنفى من مملكة الشياطين فأقعد مليمًا محسورًا.
قلت: هون عليك، فلعلّك تطرد من مملكة الشيطان فتقبل في ملكوت الرحمن وعسى الله أن يمحو عن جبينك تلك اللعنة، إذا أنت أظهرت للناس بعضًا من حيائل إبليس، ومسالكه التي

10 / 37