لتكن البداية أن نطلب من المواطنين عكس ما طالبت به المقاومة الفرنسية أن يسرعوا في إنهاء الأعمال المطلوبة منهم.
فقط يسرعون في إنهاء الأعمال المطلوبة منهم.
فقط ينجزون في ساعة ما يأخذ ساعتين لإنجازه.
بهذا ومن هنا نصعد السلم ونتعلم خطوة خطوة أن نصعد، إلى أن نبلغ الدرجة التي ينقلب فيها غضبنا على ما ساد حياتنا من تراخ وفتور إلى غضبنا على الشعور الخفي بالهزيمة الذي استخفى علينا، ومن غضبنا على إدراكنا أننا هزمنا إلى إرادتنا الكبرى: أن نهزم هزيمتنا ونقهرها.
دعونا من الحديث عن الجبهة والحوار الناصري الإسلامي وأخبار الشيخ صلاح أبو إسماعيل مع حزب الأحرار، وعن المقارنة بين عبد الناصر والسادات وبين عصر الملك وعصر الثورة.
دعونا من هذا كله.
ولنبدأ بهذا الجهد الصغير القادرين عليه تماما: أن نسرع إذا مشينا، أن نسرع إذا عملنا، أن نسرع في اتخاذ قرارنا، أن نسرع في تصحيح خطتنا ... أن نسرع بنفس النسبة التي تسرع بها الدودة إذا أحست بالخطر وأدركت أن بطأها هزيمة وهزيمتها في بطئها.
عبقرية المعارف
أعتقد أن الكتابة عن الأمراض عامة، وعن أمراض الكاتب خاصة، مادة غير محببة إلى القراء، ذلك أني أعتقد أن القارئ مثقل بالمشاكل، صحية كانت أو غير صحية، ويريد، إذا قرأ، أن يقرأ شيئا آخر، ولكني هنا لن أتحدث عن مرض خاص أو عام، ولكني أتحدث عن ظاهرة مصرية أصبحت فعلا مشكلة خطيرة من مشاكل شعبنا، ذلك هو الإهمال، والإهمال ليس مقصورا على المرافق العامة، ونظافة الأمكنة والشوارع، ولكنه امتد حتى وصل إلى الإنسان منا ذاته، كثيرا ما أتوه وأنا أحدق في أجسام المواطنين والمواطنات السائرين والسائرات في الشارع، وأكتشف أن أجسامنا كمواطنين قد ترهلت بطريقة مزعجة، ترهلا لا يكاد يعادله إلا ترهل الملامح وعبوسها، وكأنها هي واقعة تحت تأثير وابل لا يرحم من رذاذ الاكتئاب والمشاغل والهم المقيم ليل نهار، وفي أشهر الصيف الأولى أحسست أني أترهل بطريقة مطردة حتى أصبحت ألهث لدى أي مجهود.
ولكني مثلي مثل أي مواطن آخر كنت أقول لنفسي إنه الكسل، واللامجهود، وكميات الطعام التي لا داعي لها. في الحقيقة كنت أؤجل التفكير في جسمي أو في صحتي باعتبار أن هناك أشياء أكثر أهمية بكثير، وهذا يعتبر في العرف العلمي المتحضر جريمة لا تغتفر، وبعد أيام من الإجازة بالخارج بدأ عقلي - كما يقولون - يروق، إجازة حقيقية لم أقرأ فيها جريدة أو كتابا أو انشغلت بأي قضية على الإطلاق؛ فقد كان مخي مثخنا بعد عام حافل من القتال بالقلم ضد القصور، وضد الغباء ولإيقاظ الوعي في أجهزة تريدنا أن نحيا كالسلامة، نأكل ونشرب ونتناسل وننام.
Página desconocida