Señales de cercanía en la búsqueda de la responsabilidad

معالم القربة في طلب الحسبة

Editorial

دار الفنون «كمبردج»

Regiones
Irán
•
Imperios y Eras
Selyúcidas
[مُقَدِّمَة الْكتاب]
رَبِّ يَسِّرْ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عُرِفَ بِابْنِ الْأُخُوَّةِ الْقُرَشِيُّ نَسَبًا وَالشَّافِعِيُّ مَذْهَبًا الْأَشْعَرِيُّ مُعْتَقَدًا تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَغَفَرَ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَرَأَ النَّسَمَةَ وَفَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَسَطَ بِسَاطَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ السَّمَاءَ عَلَيْهَا كَالْقُبَّةِ وَقَسَمَ أَرْزَاقَ الْخَلَائِقِ وَآجَالَهُمْ وَرَتَّبَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مَنْزِلَةً وَرُتْبَةً وَجَعَلَ أَجَلَّ الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ مَنْصِبَيْ الْقَضَاءِ وَالْحِسْبَةِ أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَخُصُّنَا مِنْهُ بِالْقُرْبَةِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً تَمْنَحُنَا مِنْهُ الْجَنَّةَ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي كَشَفَ اللَّهُ بِهِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ كُلَّ كَذِبِيٍّ وَنَصَرَهُ عَلَى مَنْ عَادَاهُ وَقَاوَاهُ كَأَبِي جَهْلٍ وَعُتْبَةَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ صَلَاةً دَائِبَةً تَكُونُ لِقَائِلِهَا أَشْرَفَ نِسْبَةً.
وَبَعْدُ: فَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَجْمَعَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ أَقَاوِيلِ الْعُلَمَاءِ مُسْتَنِدًا بِهِ إلَى الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ اسْتَنَدَ لِمَنْصِبِ الْحِسْبَةِ وَقُلِّدَ النَّظَرَ فِي مَصَالِحِ الرَّعِيَّةِ وَكَشَفَ أَحْوَالَ السُّوقَةِ وَأُمُورَ الْمُتَعَيِّشِينَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِمَادًا لِسِيَاسَتِهِ وَقَوَامًا لِرِئَاسَتِهِ فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ وَضَمَّنْتُهُ مِنْ الْأَخْبَارِ وَطَرَّزْتُهُ بِالْحِكَايَاتِ وَالْآثَارِ وَنَبَّهْتُ فِيهِ عَلَى غِشِّ الْمَبِيعَاتِ وَتَدْلِيسِ أَرْبَابِ الصِّنَاعَاتِ مَا يَسْتَحْسِنُهُ مَنْ تَصَفَّحَهُ مِنْ ذَوِي الْأَلْبَابِ وَالْعُلُومِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْكِتَابَ عُنْوَانُ عُقُولِ الْكُتَّابِ وَجَعَلْتُهُ سَبْعِينَ بَابًا يَشْتَمِلُ كُلُّ بَابٍ مِنْهَا عَلَى فَصُولٍ شَتَّى.

1 / 6

[الْبَاب الْأَوَّل فِي شَرَائِط الْحَسَبَة وَصِفَّة الْمُحْتَسَب]
الْحِسْبَةُ مِنْ قَوَاعِدِ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَقَدْ كَانَ أَئِمَّةُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ يُبَاشِرُونَهَا بِأَنْفُسِهِمْ لِعُمُومِ صَلَاحِهَا، وَجَزِيلِ ثَوَابِهَا، وَهِيَ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ إذَا ظَهَرَ تَرْكُهُ، وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ إذَا ظَهَرَ فِعْلُهُ، وَإِصْلَاحٌ بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] .
وَالْمُحْتَسِبُ: مَنْ نَصَّبَهُ الْإِمَامُ، أَوْ نَائِبُهُ لِلنَّظَرِ فِي أَحْوَالِ الرَّعِيَّةِ، وَالْكَشْفِ عَنْ أُمُورِهِمْ، وَمَصَالِحِهِمْ.
وَمِنْ شَرْطِ الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا حُرًّا بَالِغًا عَاقِلًا عَدْلًا قَادِرًا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، وَالْكَافِرُ، وَيَدْخُلَ فِيهِ آحَادُ الرَّعَايَا، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مَأْذُونِينَ، وَيَدْخُلَ فِيهِ الْفَاسِقُ، وَالرَّقِيقُ، وَالْمَرْأَةُ أَمَّا التَّكْلِيفُ، وَلَا يَخْفَى، وَجْهُ اشْتِرَاطِهِ فَإِنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا يَلْزَمُهُ وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ شَرْطُ الْوُجُوبِ

1 / 7

فَأَمَّا إمْكَانُهُ، وَجَوَازُهُ فَلَا يَسْتَدْعِي إلَّا الْعَقْلَ حَتَّى أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُرَاهِقَ لِلْبُلُوغِ الْمُمَيِّزَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا فَلَهُ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ، وَلَهُ أَنْ يُرِيقَ الْخُمُورَ، وَيَكْسِرَ الْمَلَاهِيَ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَإِنَّ لَهُ بِهِ ثَوَابًا، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مَنْعُهُ بِحَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ فَإِنَّ هَذِهِ قُرْبَةٌ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا كَالصَّلَاةِ، وَالْإِمَامَةِ فِيهَا، وَسَائِرِ الْقُرُبَاتِ، وَلَيْسَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْوِلَايَاتِ حَتَّى نُشِيرَ هَاهُنَا لِلتَّكْلِيفِ، وَكَذَلِكَ أَثْبَتْنَا لِلْعَبْدِ، وَآحَادِ الرَّعِيَّةِ يَعْنِي فِي الْمَنْعِ بِالْفِعْلِ، وَإِبْطَالُ الْمُنْكَرِ نَوْعُ وِلَايَةٍ، وَسَلْطَنَةٍ، وَلَكِنَّهَا تُسْتَفَادُ بِمُجَرَّدِ الْإِيمَانِ كَقَتْلِ الْمُشْرِكِ، وَإِبْطَالِ أَسْبَابِهِ، وَسَلْبِ أَسْلِحَتِهِ فَإِنَّ لِلصَّبِيِّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ لَا يُشْتَرَطُ بِهِ فَالْمَنْعُ عَنْ الْفِسْقِ كَالْمَنْعِ عَنْ الْكُفْرِ الْمُنَافِي لِلْإِيمَانِ، وَلَا يَخْفَى وَجْهُ اشْتِرَاطِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ نُصْرَةُ الدَّيْنِ فَكَيْفِ يَكُونُ مِنْ أَهْلِهِ، وَهُوَ جَاحِدٌ لِأَصِلْ الدَّيْنِ؟ وَعُدُولُهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ السَّلْطَنَةِ، وَعِزِّ التَّحْكِيمِ، وَالْكَافِرُ ذَلِيلٌ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَنَالَ عِزَّ التَّحْكِيمِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَالَ اللَّهُ ﷾ ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] .
وَأَنْ يَكُونَ ذَا رَأْيٍ، وَصَرَامَةٍ، وَخُشُونَةٍ فِي الدِّينِ عَارِفًا بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ لِيَعْلَمَ مَا يَأْمُرُ بِهِ، وَيَنْهَى عَنْهُ فَإِنَّ الْحَسَنَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ، وَالْقُبْحَ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَا اسْتَحْسَنَهُ الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ حَسَنٌ» .
وَلَا مَدْخَلَ لِلْعُقُولِ فِي مَعْرِفَةِ الْمَعْرُوفِ، وَالْمُنْكَرِ إلَّا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَرُبَّ جَاهِلٍ يَسْتَحْسِنُ بِعَقْلِهِ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ، وَيَرْتَكِبُ الْمَحْذُورَ، وَهُوَ غَيْرُ مُلِمٍّ بِالْعِلْمِ بِهِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى كَانَ طَلَبُ الْعِلْمِ فَرْضًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَكُونُ الْمُحْتَسِبُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ

1 / 8

الشَّرْعِيِّ أَوْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ الْعُرْفِيِّ عَلَى، وَجْهَيْنِ فَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ أَنَّ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ ذَلِكَ عَلَى رَأْيِهِ، وَاجْتِهَادِهِ فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَسِبُ عَالِمًا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ لِيَجْتَهِدَ بِرَأْيِهِ فِيمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي - أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ الْعُرْفِيِّ دُونَ الشَّرْعِيِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاجْتِهَادَيْنِ أَنَّ الِاجْتِهَادَ الشَّرْعِيَّ رُوعِيَ فِيهِ أَصْلٌ ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالشَّرْعِ، وَالِاجْتِهَادَ الْعُرْفِيُّ مَا ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالْعُرْفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وَيُوَضَّحُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِتَمَيُّزِ مَا يُسَوَّغُ فِيهِ اجْتِهَادُهُ إذَا كَانَ عَارِفًا بِالْمُنْكَرَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا.
[فَصَلِّ الْحَسَبَة وَاسِطَة بَيْن أَحْكَام الْقَضَاء وَأَحْكَام الْمَظَالِم]
(فَصَلِّ) قَالَ الْإِمَام أَبُو الْحَسَن عَلَيَّ بْن مُحَمَّد الْمَاوَرْدِيّ اعْلَمْ أَنَّ الْحِسْبَةَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ، وَأَحْكَامِ الْمَظَالِمِ، وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِأَحْكَامِ الْقَضَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ وَمُقَصِّرَةٌ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَزَائِدَةٌ عَنْهُ مِنْ، وَجْهَيْنِ فَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي مُوَافَقَتِهَا لِأَحْكَامِ الْقَضَاءِ فَأَحَدُهُمَا جَوَازُ الِاسْتِعْدَاءِ إلَيْهِ، وَسَمَاعُهُ دَعْوَى الْمُسْتَعْدِي عَلَى الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ بَلْ مِثَالُهُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِبَخْسٍ أَوْ تَطْفِيفٍ فِي كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ غِشٍّ أَوْ تَدْلِيسٍ فِي مَبِيعٍ أَوْ ثَمَنٍ أَوْ تَأْخِيرِ دَيْنٍ مُسْتَحَقٍّ مَعَ الْمُكْنَةِ فَإِنَّهَا مُنْكَرَاتٌ ظَاهِرَةٌ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ لِإِزَالَتِهَا.

1 / 9

وَاخْتِصَاصُهَا بِمَعْرُوفٍ بَيِّنٍ هُوَ مَنْدُوبٌ إلَى إقَامَتِهِ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْحِسْبَةِ إلْزَامُ الْحُقُوقِ، وَالْمَعُونَةِ عَلَى اسْتِيفَائِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ لَهُ إلْزَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْخُرُوجَ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ إذَا، وَجَبَ بِاعْتِرَافٍ، وَإِقْرَارٍ مَعَ مُكْنَةٍ، وَيَسَارٍ؛ لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِهِ لَهُ مُنْكَرًا، وَتَعَدِّيًا، وَقَدْ قَالَ ﷺ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» .
وَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي قُصُورِهَا فَأَحَدُهُمَا قُصُورُهَا عَنْ سَمَاعِ الدَّعَاوَى الْخَارِجَةِ عَنْ ظَوَاهِرِ الْمُنْكَرَاتِ كَالْعُقُودِ، وَالْفُرُوضِ، وَالْفُسُوخِ، وَالْكَسَاوَى فَلَا تُسْمَعُ الدَّعَاوَى فِيهَا إلَّا بِنَصٍّ صَرِيحٍ يَزِيدُ عَلَى إطْلَاقِ الْحِسْبَةِ فَيَجُوزُ، وَيَصِيرُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ جَامِعًا بَيْنَ قَضَاءٍ، وَحِسْبَةٍ فَيُرَاعَى أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي - أَنَّهَا مَقْصُورَةٌ عَلَى الْحُقُوقِ الْمُعْتَرَفِ بِهَا أَمَّا مَا يَدْخُلُهُ التَّنَاكُرُ، وَالتَّجَاحُدُ فَإِنَّهُ يَقِفُ عَلَى سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ، وَالنَّظَرِ فِي الشُّهُودِ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى الْقُضَاةِ.
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى أَحْكَامِ الْقَضَاءِ فَأَحَدُهَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ فِيهَا أَنْ يَتَعَرَّضَ لِتَصَفُّحِ مَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَنْهُ مِنْ الْمُنْكَرِ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ خَصْمٌ مُسْتَعْدٍ، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَعَرَّضَ لِذَلِكَ إلَّا بِحُضُورِ خَصْمٍ يَشْتَكِي، وَلَوْ تَعَرَّضَ الْقَاضِي لِذَلِكَ خَرَجَ عَنْ مَنْصِبِ وِلَايَتِهِ، وَصَارَ مُتَجَوِّزًا فِي قَاعِدَةِ نَظَرِهِ.
وَالثَّانِي: فَإِنَّ لِلنَّاظِرِ فِي الْحِسْبَةِ مِنْ سَلَاطَةِ السَّلْطَنَةِ، وَاسْتِطَالَةِ الْحُمَاةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُنْكَرَاتِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ؛ لِأَنَّ الْحِسْبَةَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الرَّهْبَةِ، وَلَا يَكُونُ خُرُوجُ الْمُحْتَسِبِ إلَيْهَا بِالسَّلَاطَةِ، وَالْغِلْظَةِ

1 / 10

تَجَوُّزًا فِيهَا، وَلَا خَرْقًا فِي مَنْصِبِهِ، وَلَهُ أَنْ يَبْحَثَ عَلَى الْمُنْكَرَاتِ الظَّاهِرَةِ لِيَصِلَ إلَى إنْكَارِهَا، وَيَتَفَحَّصَ عَمَّا تُرِكَ مِنْ الْمَعْرُوفِ الظَّاهِرِ لِيَأْمُرَ بِإِقَامَتِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا مَا بَيْنَ الْحِسْبَةِ، وَالْمَظَالِمِ فَبَيْنَهُمَا شَبَهٌ مُؤْتَلِفٌ، وَفَرْقٌ مُخْتَلِفٌ، أَمَّا الشَّبَهُ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا مِنْ، وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَوْضُوعَهُمَا مُسْتَقِرٌّ عَلَى الرَّهْبَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِسَلَاطَةِ السَّلْطَنَةِ، وَقُوَّةِ الصَّرَامَةِ.
وَالثَّانِي: جَوَازُ التَّعَرُّضِ لِأَسْبَابِ الْمَصَالِحِ، وَالتَّطَلُّعِ إلَى إنْكَارِ الْعُدْوَانِ الظَّاهِرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّظَرَ فِي الْمَظَالِمِ مَوْضُوعٌ لِمَا عَجَزَ عَنْهُ الْقُضَاةُ، وَالْحِسْبَةَ مَوْضُوعَةٌ لِمَا رُفِعَ عَنْهُ الْقُضَاةُ.
[مَسْأَلَة الْفَرَق بَيْن الْمُحْتَسَب الْمُتَوَلِّي مِنْ السُّلْطَان وَبَيْن الْمُنْكَر الْمُتَطَوِّع]
وَأَمَّا مَا بَيْنَ الْمُحْتَسِبِ الْمُتَوَلِّي مِنْ السُّلْطَانِ، وَبَيْنَ الْمُنْكِرِ الْمُتَطَوِّعِ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ فَرْضَهُ مُتَعَيَّنٌ عَلَى الْمُحْتَسِبِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ، وَفَرْضُهُ عَلَى غَيْرِهِ دَاخِلٌ تَحْتَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ.
الثَّانِي: أَنَّ قِيَامَ الْمُحْتَسِبِ بِهِ مِنْ حُقُوقِ تَصَرُّفِهِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَشَاغَلَ عَنْهُ بِغَيْرِهِ، وَقِيَامُ الْمُتَطَوِّعِ بِهِ مِنْ نَوَافِلِ عَمَلِهِ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يَتَشَاغَلَ عَنْهُ بِغَيْرِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَنْصُوبٌ لِلِاسْتِعْدَاءِ إلَيْهِ فِيمَا يَجِبُ إنْكَارُهُ، وَلَيْسَ الْمُتَطَوِّعُ مَنْصُوبًا لِلِاسْتِعْدَاءِ.
الرَّابِعُ: عَلَى الْمُحْتَسِبِ إجَابَةُ مَنْ اسْتَعْدَاهُ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُتَطَوِّعِ إجَابَتُهُ.
الْخَامِسُ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ عَلَى الْإِنْكَارِ أَعْوَانًا لِأَنَّهُ عَمَلٌ هُوَ لَهُ مَنْصُوبٌ، وَإِلَيْهِ مَنْدُوبٌ، وَلِيَكُونَ لَهُ أَقْهَرَ، وَعَلَيْهِ أَقْدَرَ، وَلَيْسَ لِلْمُتَطَوِّعِ أَنْ يَتَّخِذَ لِذَلِكَ أَعْوَانًا.
السَّادِسُ: أَنَّ لَهُ أَنْ يُعَزِّرَ فِي الْمُنْكَرَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَلَا يَتَجَاوَزُ بِهَا الْحُدُودَ، وَلَيْسَ لِلْمُتَطَوِّعِ أَنْ يُعَزِّرَ.
السَّابِعُ: أَنَّ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَرْتَزِقَ عَلَى حِسْبَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُتَطَوِّعِ أَنْ يَرْتَزِقَ عَلَى إنْكَارِ مُنْكَرٍ.
الثَّامِنُ: أَنَّ لَهُ اجْتِهَادَ رَأْيِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعُرْفِ دُونَ الشَّرْعِ

1 / 11

كَالْمَقَاعِدِ فِي الْأَسْوَاقِ، وَإِخْرَاجِ الْأَجْنِحَةِ فَيُقِرُّ مِنْ ذَلِكَ مَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ، وَلَيْسَ هَذَا لِلْمُتَطَوِّعِ، فَهَذِهِ وُجُوهُ فَرْقٍ بَيْنَ مَنْ يَحْتَسِبُ بِوِلَايَةِ السُّلْطَانِ، وَبَيْنَ مَنْ يَحْتَسِبُ تَطَوُّعًا.
[فَصَلِّ أَوَّل مَا يُجِبْ عَلَى الْمُحْتَسَب]
(فَصَلِّ) أَوَّل مَا يَجِب عَلَى الْمُحْتَسِب أَنْ يَعْمَل بِمَا يَعْلَمُ، وَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ مُخَالِفًا لِفِعْلِهِ فَقَدْ قَالَ تَبَارَكَ، وَتَعَالَى فِي ذَمِّ بَنْيِ إسْرَائِيل ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَأَيْت لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالًا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِالْمَقَارِيضِ فَقُلْت: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: خُطَبَاءُ أُمَّتِك الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ» .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ شُعَيْبٍ ﵇ لَمَّا نَهَى قَوْمَهُ عَنْ بَخْسِ الْمَوَازِينِ، وَنَقْصِ الْمَكَايِيلِ ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨]، وَلَا يَكُونُ كَمَا قِيلَ شِعْرٌ
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ، وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ.
[فَصَلِّ وَيُجِبْ عَلَى الْمُحْتَسَب أَنْ يَقْصِد بِقَوْلِهِ وَفَعَلَهُ وَجْه اللَّه تَعَالَى]
(فَصَلِّ) وَيَجِبُ عَلَى الْمُحْتَسِب أَنْ يَقْصِد بِقَوْلِهِ، وَفِعْله وَجْه اللَّهِ تَعَالَى وَطَلَبَ مَرْضَاتِهِ خَالِصَ النِّيَّةِ لَا يَشُوبُهُ فِي طَوِيَّتِهِ رِئَاءٌ، وَلَا مِرَاءٌ، وَيَتَجَنَّبَ فِي رِئَاسَتِهِ مُنَاقَشَةَ الْخَلْقِ، وَمُفَاخَرَةَ أَبْنَاءِ الْجِنْسِ لِيَنْشُرَ اللَّهُ عَلَيْهِ رِدَاءَ الْقَبُولِ، وَعِلْمَ التَّوْفِيقِ، وَيَقْذِفَ لَهُ فِي الْقُلُوبِ مَهَابَةً، وَجَلَالَةً، وَمُبَادَرَةً إلَى قَوْلِهِ بِالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ فَقَدْ قَالَ: ﷺ «مَنْ أَرْضَى اللَّهَ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ شَرَّهُمْ، وَمَنْ أَرْضَى النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ، وَكَلَهُ إلَيْهِمْ، وَمَنْ أَحْسَنَ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ أَحْسَنَ اللَّهُ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ، وَمَنْ عَمِلَ لِآخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ» .
فَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ

1 / 12

أَتَابِكَ سُلْطَانَ دِمَشْقَ طَلَبَ مُحْتَسِبًا فَذُكِرَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ فَلَمَّا نَظَرَهُ قَالَ إنِّي وَلَّيْتُك أَمْرَ الْحِسْبَةِ عَلَى النَّاسِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ: إنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَقُمْ عَنْ هَذِهِ الطَّرَّاحَةِ، وَارْفَعْ هَذَا الْمَسْنَدِ فَإِنَّهُمَا حَرِيرٌ، وَاخْلَعْ هَذَا الْخَاتَمَ فَإِنَّهُ ذَهَبٌ، وَقَدْ قَالَ ﷺ: «هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهَا» قَالَ فَنَهَضَ السُّلْطَانُ عَنْ طَرَّاحَتِهِ، وَأَمَرَ بِرَفْعِ الْمَسْنَدِ، وَخَلَعَ الْخَاتَمَ مِنْ أُصْبُعِهِ، وَقَالَ ضَمَمْت إلَيْك النَّظَرَ فِي أُمُورِ الشُّرْطَةِ فَمَا رَأَى النَّاسُ مُحْتَسِبًا أَهَيْبَ مِنْهُ قُلْت، وَهَذَا لَمَّا قَلَّدَ الْمُحْتَسِبَ، وَوَجَدَ الْمَحَلَّ قَابِلًا لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَهُوَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ قَالَ ﷺ: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ»، وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَالِهِ أَوْ مَكْرُوهًا يُصِيبُهُ سَقَطَ عَنْهُ ذَلِكَ.
[فَصَلِّ يَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَكُونَ مُوَاظَبًا عَلَى سُنَن رَسُول اللَّه ﷺ]
(فَصَلِّ) وَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَكُون مُوَاظِبًا عَلَى سُنَن رَسُول اللَّه ﷺ مِنْ قَصِّ الشَّارِبِ، وَنَتْفِ الْإِبْطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، وَنَظَافَةِ الثِّيَابِ، وَتَقْصِيرِهَا، وَالتَّعَطُّرِ بِالْمِسْكِ، وَنَحْوِهِ، وَجَمِيعِ سُنَنِ الشَّرْعِ، وَمُسْتَحَبَّاتِهِ هَذَا مَعَ الْقِيَامِ عَلَى الْفَرَائِضِ، وَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ فَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّ الْعَدْلَ إذَا أَصَرَّ عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ كَانَ ذَلِكَ قَادِحًا فِي عَدَالَتِهِ.
وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا حَضَرَ عِنْدَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ بِمَدِينَةِ غَزْنَةَ يَطْلُبُ الْحِسْبَةَ فَنَظَرَ السُّلْطَانُ فَرَأَى شَارِبَهُ قَدْ غَطَّى فَاهُ مِنْ طُولِهِ، وَأَذْيَالَهُ تُسْحَبُ عَلَى الْأَرْضِ فَقَالَ لَهُ: يَا شَيْخُ امْضِ، وَاحْتَسِبْ عَلَى نَفْسِك ثُمَّ عُدْ، وَاطْلُبْ الْحِسْبَةَ عَلَى النَّاسِ، وَمِنْ الشُّرُوطِ اللَّازِمَةِ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَكُونَ عَفِيفًا عَنْ أَمْوَالِ النَّاسِ مُتَوَرِّعًا عَنْ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنْ الْمُتَعَيِّشِينَ، وَأَرْبَابِ الصِّنَاعَاتِ فَإِنَّ ذَلِكَ

1 / 13

رِشْوَةٌ.
وَقَدْ قَالَ: ﷺ «لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ، وَالْمُرْتَشِيَ»؛ وَلِأَنَّ التَّعَفُّفَ عَنْ ذَلِكَ أَصْوَبُ لِعِرْضِهِ، وَأَقْوَمُ لِهَيْبَتِهِ.
وَمِنْ آدَابِهِ تَقْلِيلُ الْعَلَائِقِ، رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ سِنَّوْرٌ، وَكَانَ يَأْخُذُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ قَصَّابٍ شَيْئًا لِغِذَائِهِ فَرَأَى عَلَى الْقَصَّابِ مُنْكَرًا فَدَخَلَ الدَّارَ، وَأَخْرَجَ السِّنَّوْرَ ثُمَّ جَاءَ، وَاحْتَسَبَ عَلَى الْقَصَّابِ فَقَالَ الْقَصَّابُ: لَا أُعْطِيك بَعْدَ الْيَوْمِ لِلسِّنَّوْرِ شَيْئًا فَقَالَ الشَّيْخُ: مَا احْتَسَبْت عَلَيْك إلَّا بَعْدَ إخْرَاجِ السِّنَّوْرِ، وَقَطْعِ الطَّمَعِ مِنْك، وَيُلْزِمُ غِلْمَانَهُ، وَأَعْوَانَهُ بِمَا الْتَزَمَهُ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا تَتَطَرَّقُ التُّهَمُ إلَى الْمُحْتَسِبِ مِنْ غِلْمَانِهِ، وَأَعْوَانِهِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَخَذَ رِشْوَةً أَوْ قَبِلَ هَدِيَّةً صَرَفَهُ عَنْهُ لِيَنْفِيَ عَنْهُ الظُّنُونَ، وَتَتَخَلَّى عَنْهُ الشُّبُهَاتُ فَإِنَّ ذَلِكَ أَزْيَدُ لِتَوْقِيرِهِ، وَأَتْقَى لِلْمَطْعَنِ فِي دِينِهِ.
[فَصْلٌ عَلَى الْمُحْتَسَب أَنْ يَكُونَ رَفِيقًا لِين الْقَوْل عِنْد الْأَمْر وَالنَّهْي]
(فَصَلِّ) وَلْيَكُنْ شِيمَته الرِّفْق، ولين الْقَوْل، وَطَلَاقَةُ الْوَجْهِ، وَسُهُولَةُ الْأَخْلَاقِ عِنْدَ أَمْرِهِ النَّاسَ، وَنَهْيِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي اسْتِمَالَةِ الْقُلُوبِ، وَحُصُولِ الْمَقْصُودِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ، وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وَلِأَنَّ الْإِغْلَاظَ فِي الزَّجْرِ رُبَّمَا أَغْرَى بِالْمَعْصِيَةِ، وَالتَّعْنِيفُ بِالْمَوْعِظَةِ يُنَفِّرُ الْقُلُوبَ.
حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى الْمَأْمُونِ فَأَمَرَهُ بِمَعْرُوفٍ، وَنَهَاهُ عَنْ مُنْكِرٍ، وَأَغْلَظَ لَهُ فِي الْقَوْلِ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: يَا هَذَا إنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك لِمَنْ هُوَ شَرٌّ مِنِّي فَقَالَ لِمُوسَى، وَهَارُونَ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَنَالُ بِالرِّفْقِ مَا لَا يَنَالُ بِالتَّعْنِيفِ كَمَا قَالَ ﷺ «إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ كُلَّ رَفِيقٍ يُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى التَّعْنِيفِ»، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

1 / 14

[الْبَاب الثَّانِي فِي الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر]
ِ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ هُوَ الْقُطْبُ الْأَعْظَمُ فِي الدِّينِ، وَهُوَ الْمُهِمُّ الَّذِي ابْتَعَثَ اللَّهُ بِهِ النَّبِيِّينَ أَجْمَعِينَ، وَلَوْ طُوِيَ بِسَاطُهُ، وَأُهْمِلَ عَمَلُهُ، وَعِلْمُهُ لَتَعَطَّلَتْ النُّبُوَّةُ، وَاضْمَحَلَّتْ الدِّيَانَةُ، وَعَمَّتْ الْفَتْرَةُ، وَفَشَتْ الضَّلَالَةُ، وَشَاعَتْ الْجَهَالَةُ، وَانْتَشَرَ الْفَسَادُ، وَاتَّسَعَ الْخَرْقُ، وَخَرِبَتْ الْبِلَادُ، وَهَلَكَ الْعِبَادُ، وَإِنْ لَمْ يَشْعُرُوا بِالْهَلَاكِ إلَى يَوْمِ التَّنَادِي، وَقَدْ كَانَ الَّذِي خِفْنَا أَنْ يَكُونَ فَإِنَّا لِلَّهِ، وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ إذْ قَدْ انْدَرَسَ مِنْ هَذَا الْقُطْبِ عَمَلُهُ، وَعِلْمُهُ فَانْمَحَقَ بِالْكُلِّيَّةِ حَقِيقَتُهُ، وَرَسْمُهُ، وَاسْتَوْلَتْ عَلَى الْقُلُوبِ مُدَاهَنَةُ الْخَلْقِ، وَانْمَحَقَتْ عَنْهَا مُرَاقَبَةُ الْخَالِقِ فَاسْتَرْسَلَ النَّاسُ فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَالشَّهَوَاتِ اسْتِرْسَالَ الْبَهَائِمِ، وَعَزَّ عَلَى بَسِيطِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ صَادِقٌ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ فَمَنْ سَعَى فِي تَلَافِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ، وَسَدِّ هَذِهِ الثُّلْمَةِ إمَّا مُتَكَلِّفًا بِعِلْمِهَا أَوْ مُتَقَلِّدًا لِتَنْفِيذِهَا مُجَرِّدًا عَزِيمَتَهُ لِهَذِهِ السُّنَّةِ الدَّاثِرَةِ نَاهِضًا بِاعْتِنَائِهَا، وَمُشَمِّرًا فِي إحْيَائِهَا كَانَ مُسْتَأْثِرًا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ بِاحْتِسَابِهِ، وَمُسْتَنِدًا بِقُرْبَةٍ يَنَالُ بِهَا دَرَجَاتِ الْقُرْبِ دُونَ أَجْنَاسِهِ.
وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فَقَدْ، وَرَدَتْ فِيهِ فَضَائِلُ كَثِيرَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]

1 / 15