لم أفعل شيئا هنا، ولا بد لي من أن أفعل شيئا ما! علي أن أكتب وأن أترجم وأن أحضر دروسا للجامعة وربما لدار المعلمين التي تطلب مني ثلاثة أو أربعة دروس في الأسبوع.
لكنه سيغرى بالبقاء في الإسكندرية قليلا؛ لأنها «في هذه الآونة المركز السياسي الحقيقي للمرة الأولى فيما أظن منذ سنوات؛ فالعادة جرت على أن السياسة تصنع في القاهرة، وأن يقضي الوزراء إجازاتهم الصيفية في الإسكندرية.»
وفي المساء الأخير يتلقى زيارة من عبد العزيز فهمي باشا الذي كان قد ذهب لرؤيته عشية اليوم السابق (أي تهذيب آنذاك؟!) كان عبد العزيز باشا محاميا شهيرا وشخصية ساحرة مؤثرة: «يدخل ويأخذني بين ذراعيه ويأخذ في معانقتي بعنف تقريبا. ويسأل عن أخبارك لا بلطف وإنما بحنان. أتعلمين أنه يحب زوجته كثيرا ولم يتعز عن فقدانها منذ 1907؟ إنه إنسان رائع، وأظن أنه يحبني، فأنا في نظره عالم مصر. إن مصر مدينة لك وأنت معلمي.»
كان لا بد لطه من أن يضطرب؛ إذ حين لقيه ثانية في المساء في فندقه : «كان هناك جمع كبير من الناس. ومن الطبيعي أنهم احتفظوا له بأفضل مكان. لكنه أعطاني إياه، وكان من المستحيل أن أجعله يغير رأيه، وعندما استأذنت في الذهاب رافقني حتى فندقي.» كان لطفي وعبد العزيز أصدقاء مقربين جدا. فقد كان طه يلتقي بهما غالبا ويتبادل معهما الأحاديث بحرية الأصدقاء وإلفتهم.
وفي القاهرة، كان يثقل صدره ضيق حقيقي:
لم يكن ممكنا لي أن أدخل غرفتك دون أن أضع يدي على صدري بشكل غريزي، كما لو أن قلبي سيفر مني ... فأنا لا أراك، ولا أرى صورتك، ولا أستطيع أن أكتب إليك بنفسي ... آه! ومع ذلك، فإني لا أحب أن أفكر في مثل هذه الأشياء.
كانت هذه إحدى المرات النادرة التي يتحدث فيها عن حالته ويعترف فيها بعذابه. أمن الممكن أن يقارن عذابي بمثل هذا العذاب؟!
وربما كان العشاء الذي دعا إليه الشيخ مصطفى بمناسبة زواجه مؤخرا قد سلاه قليلا. كان مصطفى قد دعا «الشخصيات السياسية من الدرجة الثانية والشخصيات الأدبية من الدرجة الأولى. فالسياسيون هم الطبقة الأرستقراطية التي تصيف في الإسكندرية.»
كان طه يخاف أن تدور الأحاديث في السياسة ويخشى أن لا يتمالك نفسه. لكنهم ضحكوا كثيرا واستبعدوا الخوض في الأمور الشائكة برغم حضور «صحفيين من كل الألوان - عدليين ووفديين ووطنيين بل حتى ملكيين - إذ لدينا الآن حزب جديد هو حزب الملك، وصحيفة الحرية، وهي صحيفة الملك، تبعث من جديد بأمر ملكي، ربما لأن الأهرام ستعود للظهور بعد أن توقفت عن الصدور يومين.» لكنهم تحدثوا مع ذلك عن آفة جديدة: الوشايات التي بلغت نسبتها درجة تثير القلق.
نحن بحاجة إلى حكومة حازمة قاسية ومنظمة. هذه الحكومة ليست حكومة ثروت ولا حكومة الإنجليز. فهل تمنحنا إياها الحياة الدستورية؟ بانتظار ذلك أعلمك أنني انتويت أن أتخلى عن السياسة، وسأكرس نفسي لعملي كعالم وكأستاذ تاركا الميدان للثرثارين والوصوليين، ولكن هل سيتركونني أفعل؟ لقد بلغ اشمئزازي أوجه. ... لكنه بعد يومين فقط يهاجم القصر! لا لكي يدافع عن الحكومة التي لا تطلب أفضل من أن تراه هادئا وإنما لأن القصر يريد الحد من حرية المعتقدات. فهل يسع الإنسان الذي دافع عن كل الحريات، وفي المقام الأول حرية الضمير، أن يبقى لا مباليا؟! وفي الوقت نفسه يحدثني عن صراع، يبقى بالنسبة إلي غامضا؛ بين أعضاء لجنة الثلاثين
Página desconocida