Lawamic Anwar
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
Editorial
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
Edición
الثانية
Año de publicación
1402 AH
Ubicación del editor
دمشق
فِي عَقَائِدِ التَّوْحِيدِ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَنُعُوتِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَالرِّسَالَةِ، وَكَذَا فِي أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَوَاتَرَ وَاشْتَهَرَ، ذَكَرَهُ عُلَمَاؤُنَا وَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ الْكَلْوَذَانِيُّ وَأَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ لِتَسَاوِي النَّاسِ فِيمَا لَا يُسَوَّغُ فِيهِ اجْتِهَادٌ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْبَابِ الْأَوَّلِ مُطَوَّلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْإِمَامُ مُوَفَّقُ الدِّينِ فِي الرَّوْضَةِ: وَأَمَّا التَّقْلِيدُ فِي الْفُرُوعِ فَهُوَ جَائِزٌ إِجْمَاعًا، قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُ الْقَدَرِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْعَامَّةَ يَلْزَمُهُمُ النَّظَرُ فِي الدَّلِيلِ، وَاسْتَدَلَّ لِجَوَازِ التَّقْلِيدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وَهُوَ عَامٌّ لِتَكَرُّرِهِ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ، وَعِلَّةُ الْأَمْرِ بِالسُّؤَالِ الْجَهْلُ، وَأَيْضًا الْإِجْمَاعُ فَإِنَّ الْعَوَامَّ يُقَلِّدُونَ الْعُلَمَاءَ مِنْ غَيْرِ إِبْدَاءِ مُسْتَنَدٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَأَيْضًا عَدَمُ الْقَوْلِ بِذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى خَرَابِ الدُّنْيَا بِتَرْكِ الْمَعَاشِ وَالصَّنَائِعِ، وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ لِتَيَسُّرِهِ وَقِلَّتِهِ وَدَلِيلِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، وَلِذَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: يَجِبُ عَلَى الْعَوَامِّ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَحْكَامِ، كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِينَ الِاجْتِهَادُ فِي أَعْيَانِ الْأَدِلَّةِ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَادِيَّةِ فَإِنَّهُمْ وَافَقُوا الْقَدَرِيَّةَ فِي إِيجَابِهِمْ عَلَى الْعَوَامِّ الِاجْتِهَادَ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وَمِنْ الِاسْتِطَاعَةِ تَرْكُ التَّقْلِيدِ، وَلِأَنَّ الْعَامِّيَّ مُتَمَكِّنٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ وُجُوهِ النَّظَرِ فَوُجُوبُ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ تَرْكُهَا قِيَاسًا عَلَى الْمُجْتَهِدِ، وَلَنَا أَنَّ الْخَطَأَ مُتَعَيِّنٌ وَبُلُوغُ الصَّوَابِ مُتَعَسِّرٌ بَلْ مُتَعَذِّرٌ فِي حَقِّ الْعَوَامِّ إِذَا انْفَرَدُوا بِمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، وَلَا الْمُخَصِّصَ وَلَا الْمُقَيِّدَ وَلَا كَثِيرًا مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ دَلَالَةُ الْأَلْفَاظِ وَلَا يَضْبُطُونَهُ، وَلَا يَسُوغُ لَهُمْ مُخَالَفَتُهُ لِفَرْطِ الْغَرَرِ فِيهِ فَهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْوُصُولَ إِلَيْهِ.
وَقَدْ تَوَسَّطَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالَ: شَعَائِرُ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةُ لَا تَحْتَاجُ لِنَصْبِ الِاجْتِهَادِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّقْلِيدِ فِيهَا كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْأُمُورُ الْخَفِيَّةُ مِنَ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ فَيَتَعَيَّنُ التَّقْلِيدُ فِيهَا بِالضَّرُورَةِ وَلَا نِزَاعَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ مُحَالٌ وَلَا سِيَّمَا التَّقْلِيدُ إِنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ، وَهُوَ دُونَ الضَّرُورَةِ بِكَثِيرٍ وَمَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى حَدِّ الضَّرُورَةِ يَتَعَيَّنُ التَّقْلِيدُ فِيهِ لِحَاجَةِ النَّظَرِ إِلَى آلَاتٍ مَفْقُودَةٍ فِي الْعَامِّيِّ.
2 / 464