Lawamic Anwar
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
Editorial
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
Edición
الثانية
Año de publicación
1402 AH
Ubicación del editor
دمشق
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنَاقِبَ عَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - كَثِيرَةٌ وَمَآثِرُهُ شَهِيرَةٌ، وَلَقَدْ قَالَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵃: كَانَ لِعَلِيٍّ ضِرْسٌ قَاطِعٌ فِي الْعِلْمِ، وَكَانَ لَهُ الْقِدَمُ فِي الْإِسْلَامِ، وَالصِّهْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالْفِقْهُ فِي السُّنَّةِ، وَالنَّجْدَةُ فِي الْحَرْبِ، وَالْجُودُ فِي الْمَالِ. وَكَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنْ مُعْضِلَةٍ لَيْسَ لَهَا أَبُو حَسَنٍ - يَعْنِي عَلِيًّا ﵁.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَبْصِرَتِهِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ لِضِرَارِ بْنِ ضَمْرَةَ: صِفْ لِي عَلِيًّا. قَالَ: أَوَتُعْفِينِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: بَلْ تَصِفُهُ لِي. قَالَ: أَوَتُعْفِينِي. قَالَ: لَا أُعْفِيكَ. قَالَ: أَمَّا إِذْ لَا بُدَّ فَإِنَّهُ وَاللَّهِ كَانَ بَعِيدَ الْمَدَى، شَدِيدَ الْقُوَى، يَقُولُ فَصْلًا، وَيَحْكُمُ عَدْلًا، يَتَفَجَّرُ الْعِلْمُ مِنْ جَوَانِبِهِ، وَتَنْطِقُ الْحِكْمَةُ مِنْ نَوَاحِيهِ، يَسْتَوْحِشُ مِنَ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا، وَيَسْتَأْنِسُ بِاللَّيْلِ وَظُلْمَتِهِ، كَانَ وَاللَّهِ غَزِيرَ الدَّمْعَةِ، طَوِيلَ الْفِكْرَةِ، يُقَلِّبُ كَفَّهُ، وَيُخَاطِبُ نَفْسَهُ، يُعْجِبُهُ مِنَ اللِّبَاسِ مَا خَشُنَ، وَمِنَ الطَّعَامِ مَا جَشَبَ، كَانَ وَاللَّهِ كَأَحَدِنَا يُجِيبُنَا إِذَا سَأَلْنَاهُ، وَيَبْتَدِئُنَا إِذَا أَتَيْنَاهُ، وَيَأْتِينَا إِذَا دَعَوْنَاهُ، وَنَحْنُ وَاللَّهِ مَعَ تَقْرِيبِهِ لَنَا وَقُرْبِهِ مِنَّا لَا نُكَلِّمُهُ هَيْبَةً وَلَا نَبْتَدِئُهُ لِعَظَمَتِهِ، كَانَ إِذَا تَبَسَّمَ فَعَنْ مِثْلِ اللُّؤْلُؤِ الْمَنْظُومِ، يُعَظِّمُ أَهْلَ الدِّينِ، وَيُحِبُّ الْمَسَاكِينَ، لَا يَطْمَعُ الْقَوِيُّ فِي بَاطِلِهِ، وَلَا يَيْأَسُ الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِهِ، فَأَشْهَدُ بِاللَّهِ لَرَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِهِ وَقَدْ أَرْخَى اللَّيْلُ سُجُوفَهُ، وَغَارَتْ نُجُومُهُ، وَقَدْ مَثَلَ فِي مِحْرَابِهِ قَابِضًا عَلَى لِحْيَتِهِ، يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ السَّلِيمِ، وَيَبْكِي بُكَاءَ الْحَزِينِ، فَلَكَأَنِّي أَسْمَعُهُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا أَلِي تَعَرَّضْتِ؟ أَمْ لِي تَشَوَّفْتِ؟ هَيْهَاتَ، غُرِّي غَيْرِي، قَدْ بِنْتُكِ ثَلَاثًا لَا رَجْعَةَ لِي فِيكِ وَلَا مَثْنَوِيَّةَ، فَعُمْرُكِ قَصِيرٌ، وَعَيْشُكِ حَقِيرٌ، وَخَطَرُكِ كَبِيرٌ، وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ: حَلَالُكِ حِسَابٌ وَحَرَامُكِ عَذَابٌ، ثُمَّ أَنْشَدَ ﵁:
دُنْيَا تُخَادِعُنِي كَأَنِّ ... ي لَسْتُ أَعْرِفُ حَالَهَا
مَدَّتْ إِلَيَّ يَمِينَهَا ... فَرَدَدْتُهَا وَشِمَالَهَا
حَظَرَ الْإِلَهُ حَرَامَهَا ... وَأَنَا اجْتَنَبْتُ حَلَالَهَا
وَعَلِمْتُهَا خَدَّاعَةً ... فَتَرَكْتُ جُمْلَتَهَا لَهَا
آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وَبُعْدِ السَّفَرِ وَوَحْشَةِ الطَّرِيقِ.
قَالَ: فَذَرَفَتْ دُمُوعُ مُعَاوِيَةَ
2 / 352