Lawamic Anwar
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
Editorial
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
Edición
الثانية
Año de publicación
1402 AH
Ubicación del editor
دمشق
[فَصْلٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى الذُّنُوبِ وَمُتَعَلِّقَاتِهَا]
[الخلاف في مرتكب الكبيرة]
«فَصْلٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى الذُّنُوبِ وَمُتَعَلِّقَاتِهَا» اعْلَمْ - وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ فِرْقَةَ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ أَوَّلِ فِرْقَةٍ أَسَّسُوا قَوَاعِدَ الْخِلَافِ، لِمَا وَرَدَ بِهِ ظَاهِرُ السُّنَّةِ وَجَرَى عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃ فِي بَابِ الْعَقَائِدِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَئِيسَهُمْ وَاصِلَ بْنَ عَطَاءٍ اعْتَزَلَ مَجْلِسَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، يُقَرِّرُ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ، وَيُثْبِتُ الْمَنْزِلَةَ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: اعْتَزِلْ عَنَّا. فَسُمُّوا الْمُعْتَزِلَةَ، وَهُمْ سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ أَصْحَابَ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ ; لِقَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ ثَوَابِ الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ وَثَوَابِ الْمُطِيعِ وَعِقَابِ الْعَاصِي عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى، وَنَفْيِ الصِّفَاتِ الْقَدِيمَةِ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
قَالَ الْحَافِظُ الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْهَادِي الْحَنْبَلِيُّ مِنْ بَنِي قُدَامَةَ فِي مَنَاقِبِ شَيْخِهِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: أَوَّلُ خِلَافٍ حَدَثَ فِي الْمِلَّةِ فِي الْفَاسِقِ الْمِلِّيِّ هَلْ هُوَ كَافِرٌ، أَوْ مُؤْمِنٌ ; فَقَالَتِ الْخَوَارِجُ: إِنَّهُ كَافِرٌ، وَقَالَتِ الْجَمَاعَةُ: إِنَّهُ مُؤْمِنٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةُ الْمُعْتَزِلَةِ: هُوَ لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ مَنْزِلَتَيْنِ، وَخَلَّدُوهُ فِي النَّارِ، وَاعْتَزَلُوا حَلَقَةَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَأَصْحَابِهِ، فَسُمُّوا مُعْتَزِلَةً، وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَلَمْ يُخْرِجُوهُ مِنَ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَحْكُمُوا عَلَيْهِ بِخُلُودٍ فِي النَّارِ، وَإِنَّمَا هُوَ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ، وَهُوَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - ; وَلِهَذَا قَالَ:
«وَيَفْسُقُ الْمُذْنِبُ بِالْكَبِيرَةِ ... كَذَا إِذَا أَصَرَّ بِالصَّغِيرَةِ»
«لَا يَخْرُجُ الْمَرْءُ مِنَ الْإِيمَانِ ... بِمُوبِقَاتِ الذَّنْبِ وَالْعِصْيَانِ»
«وَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَا ... مِنْ كُلِّ مَا جَرَّ عَلَيْهِ حُوبَا»
«وَيَقْبَلُ الْمَوْلَى بِمَحْضِ الْفَضْلِ ... مِنْ غَيْرِ عَبْدٍ كَافِرٍ مُنْفَصِلِ»
«مَا لَمْ يَتُبْ مِنْ كُفْرِهِ بِضِدِّهِ ... فَيَرْتَجِعْ عَنْ شِرْكِهِ وَصَدِّهِ»
«وَمَنْ يَمُتْ وَلَمْ يَتُبْ مِنَ الْخَطَا ... فَأَمْرُهُ مُفَوَّضٌ لِذِي الْعَطَا»
«فَإِنْ يَشَأْ يَعْفُ وَإِنْ يَشَا انْتَقَمْ ... وَإِنْ يَشَأْ أَعْطَى وَأَجْزَلَ النِّعَمْ»
«وَيَفْسُقُ» الْمُسْلِمُ الْمُكَلَّفُ «الْمُذْنِبُ بِـ» إِتْيَانِهِ لِلْمَعْصِيَةِ «الْكَبِيرَةِ» أَصْلُ الْفُسُوقِ الْخُرُوجُ عَنْ الِاسْتِقَامَةِ وَالْجَوْرُ. وَبِهِ سُمِّيَ الْعَاصِي فَاسِقًا، وَفِي الْحَدِيثِ " «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ،
1 / 364