وبديهي أنه كلما ازداد أفراد الشعب الواحد اتفاقا في ثقافتهم، ازدادوا قربا من الحس المشترك؛ فهم يتفقون في أحكامهم على الأشياء بمقدار اتفاقهم في الثقافة واتحادهم في وجهة النظر، والظاهر أن الإنجليز في هذا الاتحاد في وجهة النظر إلى الأشياء والحكم عليها، قد بلغوا مبلغا قصرت من دونه سائر الشعوب، ومن ثم كان تفردهم بعبارة
Common sense
حتى لقد نقلتها بقية الشعوب عنهم إما بنصها أو بأقرب ترجمة لها. •••
وإذا حللت المواقف التي يستخدم فيها «الحس المشترك» للحكم على سلوك الناس بالصواب أو بالخطأ، وجدتها المواقف التي يهتدي فيها الإنسان إلى الحكم الصحيح دون أن يكون على وعي بالمقدمات المنطقية التي يستند إليها في حكمه ذاك، فكأنما هو حكم صائب بالفطرة السليمة، ولا يحتاج إلى سند من أدلة وشواهد؛ ترى الإنجليزي يحكم على هذا السلوك أو ذلك بأنه صواب، أو بأنه خطأ، فإذا سألته: كيف عرفت ذلك؟ أجابك بقوله: «بالحس المشترك»، ثم لا يزيد على ذلك شيئا.
ليس «الحس المشترك» هو سبيل الحكم على العادات والتقاليد، بل الحكم هنا للعادات والتقاليد نفسها، فإذا لبست سيدة السواد لوفاة زوجها أو ابنها، ثم سئلت: لماذا تفعل ذلك؟ كان جوابها: «هي العادة الجارية، أو هو التقليد السائد، في إظهار الشعور بالحزن»، وإذا فليس هذا مجال الحس المشترك.
كذلك ليس «الحس المشترك» هو سبيل الحكم على المسائل العلمية، فالعالم الطبيعي - مثلا - لا يحكم «بحسه المشترك» على الوزن النوعي للذهب أو مقدار الضغط الجوي على جبال الهملايا ، والعالم الرياضي لا يحكم «بحسه المشترك» على مساحة الدائرة والجذر التربيعي للعدد 3؛ هذه المسائل العلمية يرجع فيها إلى التجربة إن كان العلم من العلوم الطبيعية، وإلى التحليل إن كان من العلوم الرياضية، والحكم في كلتا الحالتين مستند إلى مقدمات معروفة مذكورة، حتى إذا ما سئل العالم الطبيعي: كيف عرفت أن الضغط الجوي على جبال الهملايا هو كذا، أظهر التجارب التي قام بها هو أو غيره من العلماء لإثبات ذلك، وإذا ما سئل العالم الرياضي: كيف عرفت مساحة الدائرة، بين الخطوات التي سار فيها تحليله حتى انتهى إلى ما انتهى إليه من نتائج. لكن حين يكون الحكم مستندا إلى «الحس المشترك» فلا يكون صاحب الحكم على استعداد لإبراز مقدماته التي استند إليها، وكل ما في وسعه أن يجيب به إذا ما سئل: كيف عرفت ذلك؟ أن يقول: «بالحس المشترك»؛ فمثلا إذا سألت: لماذا ينبغي أن تخضع الأقلية لحكم الأكثرية؟ لم تجد لذلك جوابا عند علم من علوم الطبيعة أو الكيمياء، وإنما حكمه عند «الحس المشترك».
وذلك نفسه هو ما يجعل لأحكام «الحس المشترك» أهمية كبرى في حياة الناس الاجتماعية؛ لأنه - لسوء الحظ - لم يبلغ الإنسان في فهم نفسه فهما علميا إلا شوطا قصيرا؛ ولذلك ترى أحكامه على أنواع سلوكه بالصواب أو بالخطأ كثيرا ما تعوزها الدقة العلمية، فلا بد له من الركون إلى فطرته يحكم بها حكما سريعا نافذا حتى تسير عجلة الحياة، وإن عجلة الحياة لتزداد في سيرها سهولة ويسرا كلما ازداد الناس قدرة على أحكام «الحس المشترك» في شتى المواقف، بحيث لا يحدث بين الأفراد من الاختلاف والتصادم إلا حده الأدنى. •••
وتستطيع بعد هذا التحليل أن تعلم لماذا تقع على معركة ناشبة بين الأفراد هنا في مصر كلما خطوت خطوة، مع أنك قد تعيش الأعوام في بلد كإنجلترا ولا تصادفك معركة واحدة؟ تركب الترام هنا فيندر جدا ألا تسمع اشتجارا بين الكمساري وراكب أو أكثر من راكب واحد، وتسير في الطريق العام فيندر جدا ألا تشهد اختلافا في الرأي بين الشرطي والباعة، أو بين بائع وشار، بل تدخل البيوت فيندر جدا ألا ترى ما يهولك من اتساع هوة الخلاف بين الزوج وزوجته، وبين الوالد وأبنائه أو بين المخدوم وخادمه. الخلاف بين أفراد الشعب هنا يستوقف النظر بحدته وشدته واتساع نطاقه: هو بين الرئيس ومرءوسيه، وبين صاحب الأرض أو العقار ومستأجريه، وبين العمدة وأهل القرية، وبين رب الأسرة وأفرادها، وبين المدرس وتلاميذه، وفي كل مجال يتصل فيه الأفراد بعضهم ببعض في شأن من شئون الاجتماع.
أقول: إنك تستطيع في ضوء التحليل الذي قدمناه «للحس المشترك» أن تجيب لنفسك عن سؤالك: لماذا يقع كل هذا الخلاف بين أفراد المجتمع الواحد؟ فالجواب الصحيح هنا هو: لأنهم أفراد بغير حس مشترك! إنهم لا يحكمون على الموقف الواحد حكما واحدا، فقد شهدت - مثلا - بالأمس جنديا من جنود الجيش يركب سيارة عامة أجر الركوب فيها ثلاثة قروش، ولما كان للجندي حق الركوب بنصف أجر، فقد كان عليه أن يدفع قرشا ونصف قرش، لكنه أبى إلا أن يدفع ما يدفعه في السيارات الأخرى، وكان خلاف، وكان وقوف للسيارة، وكان غضب أخذ نطاقه يتسع حتى شمل الراكبين جميعا، وما أظن أن موقفا كهذا يجوز أن يقع في بلد بين أبنائه «حس مشترك» أو «فهم مشترك» للأمور. العلة كلها هي أننا نحكم بأحكام مختلفة على الموقف الواحد، ومن ثم يقع بيننا ما يقع من ألوان التنافر التي أشرت إليها؛ التنافر في البيت والطريق العام والديوان وعربات الترام والمتاجر وغيرها.
ليست الروابط بين الأفراد واستقرارها أمرا تافها يسيرا؛ لأنها هي عصب الحياة. إنك تعيش - راضيا أو كارها - على صلات بغيرك، تعيش متصلا بأبنائك وإخوتك وجيرانك، وتعيش متصلا برئيسك أو مرءوسك، وبالتاجر الذي تعامله، وبالشرطي في الطريق، وهكذا. فإن كان لك في كل صلة من صلاتك تلك سبب للشقاء فانظر كيف تكون حياتك في مجموعها! وإنك لتعجب أن يكون بيننا هذا الاختلاف كله وهذا الشقاء كله، ولا يكاد يقوم منا باحث واحدي يبحث «العلاقات الإنسانية» بحثا علميا، في الوقت الذي تسير فيه الصلات الاجتماعية في بلد كإنجلترا على درجة من التفاهم يحسد الإنجليز عليها بغير شك، ومع ذلك لا يزال يقوم من مؤلفيهم من يتناول «الروابط بين الناس» بالبحث المفصل، وإني لأذكر في هذا الصدد كتابين يحضرانني الآن، ولا بد أن يكون هناك سواهما مما لم أقع عليه: أحدهما كتاب بعنوان «العلاقات بين الناس» لكاتبهم «لاندو»، والآخر كتاب لكاتب أمريكي هو «ستيوارت تشيس» وعنوانه «علم الروابط بين الناس».
Página desconocida