ماذا يريد بنا هؤلاء الناس الذين يلوون وجوهنا وعيوننا إلى الوراء؟ ماذا يريدون للمهندس الذي يبني العمائر والجسور ويرصف الطرق أن يقرأ ليقوم بما نحب له أن يقوم به من بناء وتعمير؟ ماذا يريدون للطبيب الذي يسأل عن شفاء المرضى أن يقرأ ليؤدي ما نسأله عن أدائه؟ ماذا يريدون للاقتصادي الذي نطالبه بتصريف بضائعنا في الأسواق العالمية وباستيراد حاجاتنا من تلك الأسواق بأحسن الشروط، ماذا يريدون لهذا الاقتصادي أن يقرأ لكي يحقق لنا هذا الذي نطالبه به؟ ماذا يريدون للزارع الذي نود له أن يملأ علينا المخازن غلة وثمرا أن يقرأ لتتوافر لنا بحبوحة العيش ورخاؤه؟ أم هل يريد هؤلاء الناس لنا أن ننصرف عن هندستنا وطبنا واقتصادنا وزراعتنا لنقرأ الوافي بالوفيات ونوادر المخطوطات وكتاب الإرشاد والمزهر وترجمة ابن عساكر ...؟! «لا، يا جاهل!» - الآن خيل إلي أن قراء كثيرين سيشفقون علي من هذا الجهل المطبق الذي أبديه، وسيخاطبونني من بعد قائلين: «لا، يا جاهل! فما لنا الآن بالهندسة والطب والاقتصاد والزراعة؟! هذه الكتب القديمة التي ننشرها إنما هي للثقافة والتثقيف ...» كأن الشرط في «التثقيف» عندهم أن يمتلئ الرأس بما ليس ينفع الحياة في شيء من بناء الدور وشفاء المرضى.
والحمد لله فقد رضيت لنفسي بالجهالة المطبقة إن كانت هذه الكتب هي أدوات الثقافة التي أملأ بمكنونها رأسي! لو كان ما أريده فنا من الفنون، فقبل أن أقرأ هذه الكتب لا بد لي أولا أن ألم بما يكتبه جهابذة الفن من أهل المدنية القائمة، ثم أعقب على ذلك إن شئت بصفحة أقرؤها من صفحات الطفولة الماضية لأتسلى بلهو الماضي إلى جانب جد الحاضر، وإن كان ما أريده أدبا من شعر أو نثر أو قصة أو مقالة أو ما شئت، فلا بد لي أولا أن أملأ جعبتي بالزاد الذي يغذيني غذاء حديثا لأسير مع السائرين في ركبهم، ثم بعد ذلك ألهو ساعة أو ساعتين بنوادر المخطوطات؛ وإنما ضربت المثل بالفن والأدب، وهما ما قد يظن أهل الظنون أن لنا فيهما شيئا نفاخر به بين ما تفاخر به سائر الأمم، ولم أذكر شيئا عن العلوم التي لا أحسب مكابرا يريدنا على ترك ما عند الغرب منها لنتزود بما قاله فيها العرب الأقدمون.
احكموا بيننا أيها المنصفون: هذا كتاب قديم نشره الناشرون، فيه - مثلا - طب قديم أو علم نفس قديم، فكم من الزمن ينبغي أن أخصصه لمثل هذا الكتاب بحيث يكون في دراستي شيء من الاتزان، فلا يطغي قديم على حديث؟ في رأيي أنه كلما أنفقت ألف ساعة فيما يقال عن الموضوع عند الباحثين المعاصرين، يكفي أن أنفق ساعة واحدة في نظرة أنظر بها إلى ما قاله صاحبنا القديم، ويكون ذلك على سبيل اللهو والتسلية الذي لا جد فيه - وإن كان ذلك كذلك فقد كان ينبغي أن يصدر ألف كتاب فيها ثقافة حديثة كلما صدر كتاب واحد قديم - لكن انظر إلى ما تخرجه لنا المطابع هذه الأيام واعجب.
إن كل أنواع العزلة شر على الحياة الخصبة المليئة، إلا إن كانت عزلة مؤقتة فيها استعداد لما بعدها. وشر أنواع العزلة جميعا هي العزلة الفكرية عن سائر العالم، فليس الفكر طاحونة تدور في الهواء ولا تطحن شيئا، إنما الفكر يدور في أبحاث علمية من طبيعة وكيمياء ونبات وحيوان ونفس واجتماع واقتصاد وزراعة وتجارة وحرب، ونظم سياسية ونظم تربوية وغيرها، وفي كل هذه الأمور يكتب المؤلفون من رجال الغرب عشرات الكتب تلو عشراتها، فهل نترك هذه الأكداس الفكرية كلها، لننطوي على أنفسنا في جب مظلم مليء بالتراب، فننفض الغبار عن كتاب قديم فيه - مثلا - أسماء الخيل عند العرب أو ذكر الأعشاب وطرائق تحضيرها والعلاج بها، ونهش ونبش لهذا الكنز الثمين، ونروح نغدق عليه المال على فقرنا، والورق عل ما نحن فيه من مجاعة ورقية، ونشغل به أصحاب التفكير والقراء في آن معا؟ والأمر - كما أسلفت - هو نسبة صحيحة بين الأشياء، فلو أخرجت هذا الكتاب وإلى جانبه ألف كتاب - على أقل تقدير - مما ينقل إلي ثقافة الغرب القائمة اليوم، والتي يسير العالم الآن على هديها، وعلى شرط أن تكون هذه الكتب الألف موضع الجد والدراسة، وأن يكون ذلك الكتاب القديم الواحد بمثابة التحفة التي ننظر إليها نظرة من لا يريد أن ينسى طفولته الدابرة. لو حدث هذا لما كان لنا على نشر القديم ملامة وعتاب.
ماذا يكون مصير الأجيال الجامعية الناشئة حين تتلفت في عالم الكتب العربية لتقرأ، فلا تجد على رفوفها إلا هذه الهياكل العظمية التي أخرجناها من قبورها ولففناها بورق أبيض ناصع، وقلنا هاكم الأزاهر النضرة فاملئوا خياشيمكم بشذاها؟ مصيرهم محتوم، وهو أن يقبلوا عليها بقدر ما في وسع شبابنا الجامعي أن يقبل على قراءة، وما هو إلا أن يظن هؤلاء الشباب أن العلم هو هذا، وأن الدنيا هي هذه التي طالعوها على صحائف تلك الكتب، ولسنا في هذا التقدير بمسرفين، فعلى بعد خطوات منا معاهد تأخذ بمثل هذه الدراسة، فعليكم بها وانظروا ما «العلم» في جوها وبين أبهائها.
وهكذا سيمضي الغرب في طريقه وسنمضي: هو يشتغل بتفتيت الذرة، ونحن نعبث بتشقيق الشعرة، هل هذه اللفظة قالها العرب مفتوحة أو مضمومة؟ وهل هذا الحرف في النص الأصلي فاء أو قاف؟ سيمضي الغرب في طريقه وسنمضي: هو يحاول الصعود إلى ذرى السماء، ونحن نحفر الأجداث لنستخرج منها الرمم.
لست أدعي أنني فريد قومي في هذا الرأي الذي أراه، فهم يعدون بالألوف أولئك الذين يضحكون سخرية من هذا الإسراف في نشر الكتب القديمة؛ ودليل ذلك أنهم يعدون بالألوف أولئك الذين لا يقرءون صفحة واحدة من هذه الكتب لو أهديتهم إياها بغير مقابل من مال، لكن أحدا من هؤلاء لا يجرؤ على الجهر بهذا الرأي خوفا من العامة وأشباههم، إن رأي العامة هو أن للآثار العربية قدسية لا ينبغي أن تدوسها قدم، فإذا كتب كاتب فليتغن بهذا اللحن أو فليصمت.
وهأنذا أبيع سمعتي العلمية بغير ثمن؛ لأن تسعة وتسعين قارئا من كل مائة سيتمتم لنفسه قائلا عني: جاهل لا يعرف قيمة الدر النفيس.
سلم القيم
ليست قيمة الشيء كائنة فيه جزءا منه، كما تكون عقارب هذه الساعة التي أمامي جزءا منها يتصل وينفصل، إنما تنشأ قيمة الشيء عن علاقتنا به، فنحن الذين نجعل للأشياء قيمتها، مهما يكن نوع تلك القيمة، اقتصادية أو خلقية أو جمالية، صادرين في تقويمنا للأشياء عن مصالحنا الذاتية، فما يخدم لنا صالحا كان له من القيمة بمقدار ما يخدم؛ ولذلك ترانا ندرج الأشياء المختلفة التي تشبع فينا حاجة أو غرضا، ندرجها في سلم متفاوت من القيم، حسب تفاوتها في إشباعها لحاجاتنا وتحقيقها لأغراضنا.
Página desconocida