جلس توم في الشرفة، كانت الأمسية جميلة مقمرة، فجلس يشاهد رذاذ النافورة المتطاير ويستمع إلى صوت خرير الماء فيها. فكر في منزله وأنه سيكون حرا في القريب وأنه سيتمكن من العودة إلى موطنه حين يريد. فكر كيف أنه سيتعين عليه أن يعمل من أجل أن يشتري حرية زوجته وأطفاله. شعر بنوع من السعادة يسري في عضلات ذراعيه القويتين حين فكر أنهم سيكونون ملكه، وكيف يمكنهم أن يسهموا في حرية عائلته. ثم فكر في سيده النبيل الصغير، الذي دوما ما يتبع تفكيره فيه صلاة ثابتة كان يهبها له؛ ثم ذهبت أفكاره إلى إيفا الجميلة التي يعرف أنها الآن بين الملائكة، وظل يفكر فيها ويفكر حتى ظن أنها تنظر إليه من بين رذاذ النافورة بوجهها المشرق وشعرها الذهبي. ثم غشيه النوم وهو في خضم تأملاته، وحلم بها آتية نحوه وهي تتقافز، تماما كما اعتادت أن تفعل، وفي شعرها إكليل من الياسمين، وكانت وجنتاها مشرقتين، وعيناها تشعان سعادة وفرحة، لكن وبينما كان ينظر إليها، بدت إليه وكأنها ترتفع عن الأرض وقد بدا على وجنتيها شيء من شحوب - وكانت عيناها تلمعان بضوء عميق سماوي، وبدت كأن هناك هالة ذهبية حول رأسها - ثم اختفت من أمامه؛ واستيقظ توم على صوت طرقات صاخبة، وعلى أصوات لأشخاص كثيرين عند الباب.
جلس توم في الشرفة.
أسرع توم ليفتح الباب فدخل بضعة رجال أصواتهم مخنوقة وخطواتهم ثقيلة، كانوا يحملون جثة ملفوفة في معطف وممددة على لوح خشبي. سقط ضوء المصباح على وجه الجثة فأضاءه، فصرخ توم صرخة مدوية من الدهشة والقنوط؛ ذلك أن سيده الشاب سانت كلير قد أصيب في قلبه الحنون بطلقة كانت تستهدف شخصا آخر أثناء سيره في الشارع.
الفصل الثالث عشر
في الجزء السفلي من قارب صغير وضيع يبحر في النهر الأحمر، جلس توم ويداه مكبلتان بالقيود والسلاسل، أما قلبه فكان يحمل حزنا أثقل من الحديد وأقسى منه. كانت سماء أفكاره ملبدة بالغيوم، فاختفى منها القمر والنجوم، وقد تجاوزه الأمل كما تتجاوزه تلك الأشجار المصطفة على ضفة النهر التي لن تعود أبدا. ضاع منه منزله في ولاية كنتاكي وكوخه الصغير بساكنيه الأعزاء، ومزرعة سانت كلير وروعتها، وإيفا ذات الشعر الذهبي وابتسامتها البريئة ورفقتها الطيبة، وسيده الشاب الكريم اللطيف السخي الذي وعده حريته - كل ذلك ضاع منه؛ ذلك أن السيدة سانت كلير تجاهلت إرادة زوجها وباعت توم والعبيد الآخرين، فأصبح صديق ابنتها والرفيق المخلص الرءوم لزوجها الذي قدم له المساعدة مكبلا بالأغلال مرة أخرى، وكان سيده الحالي رجلا فظا غليظا يحمل اسم سايمون لاجري.
أبحر القارب باتجاه أعالي النهر الأحمر الموحل العكر، خلال التواءاته الحادة المتعرجة، فكانت عينا راكبه الحزينتان تحدقان في ارتباك في ضفتيه المنحدرتين الموحلتين حتى توقف القارب عند بلدة كئيبة ونزل عنه لاجري ومن يملكهم من عبيد.
وسار توم ورفقته خلف عربة بدائية على طريق أكثر خشونة بقلوب منهزمة نحو مزرعة لاجري. ظلوا ينظرون بعيون متقدة إلى وجه مالكهم، وعرفوا أن الحزن والكرب هو قسمتهم.
التفت لاجري إليهم حيث كانوا يسيرون في صمت وصاح فيهم قائلا: «أسمعوني ما يطربني، غنوا لحنا مرحا، لا تغنوا التراتيل الميثودية، بل غنوا أغنية مبهجة. هيا، أسمعوني!»
فجاء صوت أحد الرجال يغني لحنا خاصا بالزنوج:
طلب سيدي لحنا زنجيا،
Página desconocida