المقدمة

Página 17

بسم الله الرحمن الرحيم

حدثنا الشيخ أبو الفرج محمد بن علي بن يعقوب بن أبي قرة القناني (1)(رحمه الله) قال حدثنا أبو الحسين محمد بن علي البجلي الكاتب واللفظ من أصله وكتبت هذه النسخة وهو ينظر في أصله قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم النعماني بحلب (2).

الحمد لله رب العالمين الهادي من يشاء إلى صراط مستقيم المستحق الشكر من عباده بإخراجه إياهم من العدم إلى الوجود وتصويره إياهم في أحسن الصور وإسباغه عليهم النعم ظاهرة وباطنة لا يحصيها العدد على طول الأمد كما قال عز وجل- إن تعدوا نعمت الله لا تحصوها (3) وبما دلهم عليه وأرشدهم إليه من العلم بربوبيته والإقرار بوحدانيته بالعقول الزكية (4) والحكمة البالغة والصنعة المتقنة والفطرة

Página 18

الصحيحة والصبغة الحسنة والآيات الباهرة والبراهين الظاهرة وشفعه ذلك ببعثه إليهم الخيرة من خلقه رسلا مصطفين مبشرين ومنذرين دالين هادين مذكرين ومحذرين ومبلغين مؤدين بالعلم ناطقين وبروح القدس مؤيدين وبالحجج غالبين وبالآيات لأهل الباطل قاهرين وبالمعجزات لعقول ذوي الألباب باهرين أبانهم من خلقه بما أولاهم من كرامته وأطلعهم على غيبه ومكنهم فيه من قدرته كما قال جل وعز- عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا (1) ترفعا لأقدارهم وتعظيما لشأنهم- لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ولتكون حجة الله عليهم تامة غير ناقصة.

والحمد لله الذي من علينا بمحمد سابق بريته إلى الإقرار بربوبيته وخاتم أصفيائه إنذارا برسالته وأحب أحبائه إليه وأكرم أنبيائه عليه وأعلاهم رتبة لديه وأخصهم منزلة منه أعطاه جميع ما أعطاهم وزاده أضعافا على ما آتاهم وأحله المنزلة التي أظهر بها فضله عليهم فصيره إماما لهم إذ صلى في سمائه بجماعتهم وشرف مقامه على كافتهم وأعطاه الشفاعة دونهم ورفعه مستسيرا [مستزيدا إلى علو ملكوته (2) حتى كلمه في محل جبروته بحيث جاز مراتب الملائكة المقربين ومقامات الكروبيين والحافين.

وأنزل عليه كتابا جعله مهيمنا على كتبه المتقدمة ومشتملا على ما حوته من العلوم الجمة وفاضلا عليها بأن جعله كما قال تعالى- تبيانا لكل شيء (3) لم يفرط فيه من شيء فهدانا الله عز وجل بمحمد(ص)من الضلالة والعمى وأنقذنا به من الجهالة والردى وأغنانا به وبما جاء به من الكتاب المبين وما أكمله لنا من

Página 19

الدين ودلنا عليه من ولاية الأئمة الطاهرين الهادين عن الآراء والاجتهاد ووفقنا به وبهم إلى سبيل الرشاد (1).

صلى الله عليه وعلى أخيه أمير المؤمنين تاليه في الفضل ومؤازره في اللأواء والأزل (2) وسيف الله على أهل الكفر والجهل ويده المبسوطة بالإحسان والعدل والسالك نهجه في كل حال (3) والزائل مع الحق حيثما زال والخازن علمه (4) والمستودع سره الظاهر على مكنون أمره وعلى الأئمة من آله الطاهرين الأخيار ا لطيبين الأبرار.

معادن الرحمة ومحل النعمة وبدور الظلام ونور الأنام وبحور العلم وباب السلام الذي ندب الله عز وجل خلقه إلى دخوله وحذرهم النكوب عن سبيله حيث قال- يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين أفضل صلواته وأشرفها وأذكاها وأنماها وأتمها وأعلاها وأسناها وسلم تسليما كثيرا كما هو أهله وكما محمد وآله(ع)أهله منه.

أما بعد فإنا رأينا طوائف من العصابة المنسوبة إلى التشيع المنتمية (5) إلى نبيها محمد وآله(ص)ممن يقول بالإمامة التي جعلها الله برحمته دين الحق ولسان الصدق وزينا لمن دخل فيها (6) ونجاة وجمالا لمن كان من أهلها وفاز بذمتها وتمسك بعقدتها ووفى لها بشروطها من المواظبة على الصلوات وإيتاء الزكوات والمسابقة

Página 20

إلى الخيرات واجتناب الفواحش والمنكرات والتنزه عن سائر المحظورات ومراقبة الله تقدس ذكره في الملإ والخلوات وتشغل القلوب وإتعاب الأنفس والأبدان في حيازة القربات قد تفرقت كلمها (1) وتشعبت مذاهبها واستهانت بفرائض الله عز وجل وحنت (2) إلى محارم الله تعالى فطار بعضها علوا وانخفض بعضها تقصيرا وشكوا جميعا إلا القليل في إمام زمانهم وولي أمرهم وحجة ربهم التي اختارها بعلمه كما قال جل وعز- وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة (3) من أمرهم للمحنة الواقعة بهذه الغيبة التي سبق من رسول الله(ص)ذكرها وتقدم من أمير المؤمنين(ع)خبرها ونطق في المأثور من خطبه والمروي عنه من كلامه وحديثه بالتحذير من فتنتها وحمل أهل العلم والرواية عن الأئمة من ولده(ع)واحدا بعد واحد أخبارها حتى ما منهم أحد إلا وقد قدم القول فيها وحقق كونها ووصف امتحان الله تبارك وتعالى اسمه خلقه بها بما أوجبته قبائح الأفعال ومساوي الأعمال والشح المطاع والعاجل الفاني المؤثر على الدائم الباقي والشهوات المتبعة والحقوق المضيعة التي اكتسبت سخط الله عز وتقدس فلم يزل الشك والارتياب قادحين في قلوبهم

كما قال أمير المؤمنين(ع)في كلامه لكميل بن زياد في صفة طالبي العلم وحملته أو منقادا لأهل الحق لا بصيرة له ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة (4)

حتى أداهم ذلك إلى التيه والحيرة والعمى والضلالة ولم يبق منهم إلا القليل النزر الذين ثبتوا على دين الله وتمسكوا بحبل الله ولم يحيدوا عن صراط الله المستقيم وتحقق فيهم وصف الفرقة الثابتة على الحق التي لا تزعزعها الرياح ولا يضرها الفتن ولا يغرها لمع السراب ولم تدخل في دين الله بالرجال فتخرج منه بهم.

Página 21

كما روينا عن أبي عبد الله جعفر بن محمد(ع)أنه قال من دخل في هذا الدين بالرجال أخرجه منه الرجال كما أدخلوه فيه ومن دخل فيه بالكتاب والسنة زالت الجبال قبل أن يزول

ولعمري ما أتي من تاه وتحير وافتتن وانتقل عن الحق وتعلق بمذاهب أهل الزخرف والباطل إلا من قلة الرواية والعلم وعدم الدراية والفهم فإنهم الأشقياء لم يهتموا لطلب العلم ولم يتعبوا أنفسهم في اقتنائه وروايته من معادنه الصافية على أنهم لو رووا ثم لم يدروا لكانوا بمنزلة من لم يرو-

وقد قال جعفر بن محمد الصادق(ع) اعرفوا منازل شيعتنا عندنا على قدر روايتهم عنا وفهمهم منا

فإن الرواية تحتاج إلى الدراية

خبر تدريه خير من ألف خبر ترويه

. وأكثر من دخل في هذه المذاهب إنما دخله على أحوال فمنهم من دخله بغير روية ولا علم فلما اعترضه يسير الشبهة تاه.

ومنهم من أراده طلبا للدنيا وحطامها (1) فلما أماله الغواة والدنياويون إليها مال مؤثرا لها على الدين مغترا مع ذلك بزخرف القول غرورا من الشياطين الذين وصفهم الله عز وجل في كتابه فقال- شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا (2) والمغتر به فهو كصاحب السراب (3) الذي يحسبه الظمآن ماء يلمعه عند ظمائه لمعة ماء فإذا جاء لم يجده شيئا كما قال الله عز وجل (4).

ومنهم من تحلى بهذا الأمر للرياء والتحسن بظاهره وطلبا للرئاسة وشهوة لها وشغفا بها (5) من غير اعتقاد للحق ولا إخلاص فيه فسلب الله جماله وغير

Página 22

حاله وأعد له نكاله.

ومنهم من دان به على ضعف من إيمانه ووهن من نفسه بصحة ما نطق به منه فلما وقعت هذه المحنة التي آذننا أولياء الله(ص)بها مذ ثلاثمائة سنة تحير ووقف كما قال الله عز وجل من قائل- كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (1) وكما قال كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا (2).

ووجدنا الرواية قد أتت عن الصادقين(ع)بما أمروا به من وهب الله عز وجل له حظا من العلم وأوصله منه إلى ما لم يوصل إليه غيره من تبيين ما اشتبه على إخوانهم في الدين وإرشادهم في الحيرة إلى سواء السبيل وإخراجهم عن منزلة الشك إلى نور اليقين.

فقصدت القربة إلى الله عز وجل بذكر ما جاء عن الأئمة الصادقين الطاهرين(ع)من لدن أمير المؤمنين(ع)إلى آخر من روي عنه منهم في هذه الغيبة التي عمي عن حقيتها (3) ونورها من أبعده الله عن العلم بها والهداية إلى ما أوتي عنهم(ع)فيها ما يصحح (4) لأهل الحق حقيقة ما رووه ودانوا به وتؤكد حجتهم بوقوعها ويصدق ما آذنوا به منها.

وإذا تأمل من وهب الله تعالى له حسن الصورة وفتح مسامع قلبه ومنحه جودة القريحة (5) وأتحفه بالفهم وصحة الرواية بما جاء عن الهداة الطاهرين ص-

Página 23

على قديم الأيام وحديثها من الروايات المتصلة فيها الموجبة لحدوثها المقتضية لكونها مما قد أوردناه في هذا الكتاب حديثا حديثا وروي فيه وفكر فكرا منعما (1) ولم يجعل قراءته ونظره فيه صفحا دون شافي التأمل ولم يطمح ببصره عن حديث منها يشبه ما تقدمه دون إمعان النظر فيه والتبيين له ولما يحوي من زيادة المعاني بلفظه من كلام الإمام(ع)بحسب ما حمله واحد من الرواة عنه علم (2) أن هذه الغيبة لو لم تكن ولم تحدث مع ذلك ومع ما روي على مر الدهور فيها لكان مذهب الإمامة باطلا لكن الله تبارك وتعالى صدق إنذار الأئمة(ع)بها وصحح قولهم فيها في عصر بعد عصر وألزم الشيعة التسليم والتصديق والتمسك بما هم عليه وقوى اليقين في قلوبهم بصحة ما نقلوه وقد حذر أولياء الله(ص)شيعتهم من أن تميل بهم الأهواء أو تزيغ بهم وبقلوبهم الفتن واللأواء في أيامها ووصفوا ما يشمل الله تعالى خلقه به من الابتلاء عند وقوعها بتراخي مدتها وطول الأمد فيها- ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة

فإنه روي عنهم(ع)ما حدثنا به محمد بن همام قال حدثنا حميد بن زياد الكوفي قال حدثنا الحسن بن محمد بن سماعة قال حدثنا أحمد بن الحسن الميثمي عن رجل من أصحاب أبي عبد الله جعفر بن محمد(ع)أنه قال سمعته يقول نزلت هذه الآية التي في سورة الحديد ولا تكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون @HAD@ في أهل زمان الغيبة ثم قال عز وجل- أن الله يحي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون

فإنه أراد عز وجل يا أمة محمد أو يا معشر الشيعة لا تكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فتأويل هذه الآية جاء في

Página 24

أهل زمان الغيبة وأيامها دون غيرهم من أهل الأزمنة وإن الله تعالى نهى الشيعة عن الشك في حجة الله تعالى أو أن يظنوا أن الله تعالى يخلي أرضه منها طرفة عين-

كما قال أمير المؤمنين(ع)في كلامه لكميل بن زياد بلى اللهم لا تخلو الأرض من حجة لله إما ظاهر معلوم أو خائف مغمور لئلا تبطل حجج الله وبيناته

وحذرهم من أن يشكوا ويرتابوا فيطول عليهم الأمد فتقسو قلوبهم

ثم قال(ع)(1) ألا تسمع قوله تعالى في الآية التالية لهذه الآية- اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون @HAD@ أي يحييها الله بعدل القائم عند ظهوره بعد موتها بجور أئمة الضلال

وتأويل كل آية منها مصدق للآخر وعلى أن قولهم(ص)لا بد أن يصح في شذوذ من يشذ وفتنة من يفتتن ونكوص من ينكص على عقبيه من الشيعة بالبلبلة والتمحيص (2) والغربلة التي قد أوردنا ما ذكروه(ع)منه بأسانيد في باب ما يلحق الشيعة من التمحيص والتفرق والفتنة إلا أنا نذكر في هذا الموضع حديثا أو حديثين من جملة ما أوردنا في ذلك الباب لئلا ينكر منكر ما حدث من هذه الفرق العاملة بالأهواء المؤثرة للدنيا.

وهو ما أخبرنا به أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة الكوفي وهذا الرجل ممن لا يطعن عليه في الثقة ولا في العلم بالحديث والرجال الناقلين له (3) قال حدثنا علي بن الحسن التيملي (4) من تيم الله قال حدثني أخواي أحمد ومحمد ابنا الحسن بن علي بن فضال عن أبيهما عن ثعلبة بن ميمون عن أبي كهمس عن عمران بن ميثم عن مالك بن ضمرة قال قال أمير المؤمنين(ع)لشيعته كونوا في الناس كالنحل

Página 25

في الطير ليس شيء من الطير إلا وهو يستضعفها ولو يعلم ما في أجوافها لم يفعل بها كما يفعل خالطوا الناس بأبدانكم وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم فإن لكل امرئ ما اكتسب وهو يوم القيامة مع من أحب أما إنكم لن تروا ما تحبون وما تأملون يا معشر الشيعة حتى يتفل بعضكم في وجوه بعض وحتى يسمي بعضكم بعضا كذابين وحتى لا يبقى منكم على هذا الأمر إلا كالكحل في العين والملح في الطعام وهو أقل الزاد (1) وسأضرب لكم في ذلك مثلا وهو كمثل رجل كان له طعام قد ذراه (2) وغربله ونقاه وجعله في بيت وأغلق عليه الباب ما شاء الله ثم فتح الباب عنه فإذا السوس قد وقع فيه (3) ثم أخرجه ونقاه وذراه ثم جعله في البيت وأغلق عليه الباب ما شاء الله ثم فتح الباب عنه فإذا السوس قد وقع فيه وأخرجه ونقاه وذراه ثم جعله في البيت وأغلق عليه الباب ثم أخرجه بعد حين فوجده قد وقع فيه السوس ففعل به كما فعل مرارا حتى بقيت منه رزمة كرزمة الأندر (4) الذي لا يضره السوس شيئا وكذلك أنتم تمحصكم الفتن حتى لا يبقى منكم إلا عصابة لا تضرها الفتن شيئا

وروي عن أبي عبد الله(ع)أنه قال والله لتمحصن والله لتطيرن يمينا وشمالا حتى لا يبقى منكم إلا كل امرئ أخذ الله ميثاقه وكتب الإيمان في قلبه وأيده بروح منه @HAD@ وفي رواية أخرى عنهم(ع)حتى لا يبقى منكم على هذا الأمر إلا الأندر فالأندر

وهذه العصابة التي تبقى على هذا الأمر وتثبت وتقيم على الحق هي التي أمرت بالصبر في حال الغيبة فمن ذلك-

ما أخبرنا به علي بن أحمد البندنيجي عن

Página 26

Kitab al-Ghaybah | Usul