فبناء على رأي الأستاذ أصبح حتما علينا أن نسميها روسيا الإسلامية لا روسيا السوفيتية، وحتما آخر علينا أن نولي وجوهنا نحن المسلمين شطر الكرملين ليكون قبلتنا بدلا من الكعبة التي يلتف حولها أولئك الذين يحاربون الشيوعية عن غفلة منهم بما تحمله تعاليم الكرملين من إسلام.
المجتمع الرأسمالي فاسد، وما شأن هذا بتعاليم الإسلام؟ ثم إننا نعرف فساده لأنه ينتقد نفسه حتى لنعرف كل خافية من أمره، أما المجتمع الشيوعي فيغلق، ومن يتنفس فيه بكلمة حق فمصيره الموت أو الطرد أو التشريد أو الهوان، ولو قلنا إن الكتاب مثل يسترناك وسلجستير ينشدون الحرية كل الحرية وأنهم ليسوا المقياس الذي يعتمد عليه، فماذا نحن قائلون عن ساخاروف أبي القنبلة الذرية الذي وصف المجتمع الروسي وصفا أقل ما يقال فيه أنه يتنافى أو يتجافى مع وصف مؤرخنا المصري الصميم.
وهل صحيح أن غريزة الامتلاك محيت من النظام الاشتراكي، فماذا عن حمام السباحة المغطى ذي الماء الدافئ الذي كان يملكه خروشوف؟ وماذا عن رئيسهم الآخر الذي يهوى جمع السيارات، وكأنها طوابع بريد؟ وماذا عن الامتيازات الطبقية التي ينعم بها أعضاء الحزب بصورة لا مثيل لها في أعتى الدول الرأسمالية.
وما حكاية عمر هذه؟ هل أنت مؤمن بها حقا أم هو تحطيم لكل شريف رفيع من مثلنا، إن ما طبقه عمر هو قانون: «من أين لك هذا؟» وطبقه على عماله وبالطريقة التي رأى عمر أنها عادلة، والتي لم يكن لها بديل في ذلك العهد، أما لو كانت الأموال تصادر لمجرد أنها زائدة لصادر عبد الرحمن بن عوف الذي ترك ذهبا كان يقسم بالفئوس ووزع على أولاده العشرة أو الأحد عشر - لا أذكر - فأصبحوا جميعا أغنى أغنياء العرب ولم يصادرهم عمر، وأنت مؤرخ وتعرف خطبة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم ...» وأنت مؤرخ ولا بد لك أن تكون قد قرأت وما بي حاجة أن أذكرك ...
هم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون [سورة الزخرف: 32] ادع إلى الشيوعية أيها الأستاذ ما شاءت لك أمانتك العلمية أن تدعو، ولكني أستحلفك - ولا أدري بماذا، ولنقل بربك ماركس وبنبيك لينين - أن تدع الإسلام وتبحث لك عن طريق إن كان هناك لك طريق.
وقبل أن أنهي حديثي هذا إليك، لي سؤال:
إن كان الإسلام حافلا بتعاليم الشيوعية، ففيم أتعب ماركس نفسه، ومن بعده لينين؟ وفيم قتل ستالين أحد عشر مليونا من الكادحين من الشعب الروسي ليثبت دعائم الشيوعية؟ ألم يكن ماركس قد درس الإسلام فيما درس من شرائع ليضع نظريته التي تنفي الفرد عن الحياة نفيا تاما؟ وإن كان قد درسه ووجده - كما ترى - شيوعيا في روحه ومجتمعه، فلماذا احتاج إلى إنشاء نظرية جديدة؟ لماذا لم يدع إلى الإسلام فتحل المشكلة ونحقن الدماء؟ وعلى أية حال إن الوقت لم يفت، يستطيع الأستاذ المؤرخ أن يدعو إلى مجتمع إسلامي ويترك المجتمعات الملحدة دون أن يحتاج إلى هذا التعسف في استخلاص النظريات وتحميل الوقائع التاريخية لما لم يخطر على بال أنها ستحمله.
تحية إلى طالب أديب
جاءني خطاب من الطالب الأديب أحمد عبد المنعم القاضي، وكم أنا شاكر له أن أرسل هذا الخطاب، فإن مثل هذه اللغة وهذا الإلمام بالأدب العربي والثقافة عامة تجعل ظلام اليأس الذي يملأ نفوسنا ينعم بشعاع من الأمل أن بين الشباب من هو على وعي حقيقي بأدبه وبدينه وبثقافة بلاده وثقافة عصره.
وإني أريد أن أهمس في أذن أديبنا الشاب، ما إليك قصدت حين قلت إن الشباب يحتاج إلى من يبسط لهم دينهم عن طريق العلم الذي يقبلون عليه، فلو كان الشباب جميعا مثلك لوجدوا هم طريقهم دون تبسيط، إنما أنا أقصد تماما ذلك الشباب الذي جعل فيلما مثل «خلي بالك من زوزو» مستمرا في العرض لمدة تزيد على 13 شهرا، ذلك الشباب الذي لا يعرف أن ابن النفيس - كما ذكرت - هو مكتشف الدورة الدموية، والذي لا يعرف أيضا أن ابن حيان هو أول الباحثين في الكيمياء الحديثة، والذي لا يعرف الصلة بين الكرسي وآية الكرسي.
Página desconocida