Descubrimiento del Desconsuelo
كشف الغمة
وتورده موارد وبالها، فصاحبته هدنة على دخن [1]، وابتلته بأنواع المحن، وجرت في معاداته على سنن، وغالته بعده في ابنيه الحسين والحسن، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يزداد على شدة اللأواء [2] إلا صبرا، وعلى تظاهر الأعداء إلا حمدا وشكرا، مستمرا في ذات الله، شديدا على أعداء الله، وأوفى بأولياء الله، شاكرا لآلاء الله، مستمرا على طريقة لا يغيرها، جاريا على وتيرة لا يبدلها، آخذا بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يحول عنها، مقتفيا لآثاره لا يفارقها، واطيا لعقبه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يجاوزها، حتى نقله الله إلى جواره واختار له دارا خير من داره، فمضى محمود الأثر مشكور الورد والصدر، مستبدلا بدار الصفا من دار الكدر، قد لقى محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) بوجه لم يشوهه التبديل، وقلب لم تزدهه الأباطيل.
قال علي (عليه السلام) يوما وقد أحدق به الناس: احذركم الدنيا فإنها منزل قلعة وليست بدار نجعة [3]، هانت على ربها فخلط شرها بخيرها وحلوها بمرها، لم يصفها لأوليائه ولم يضن بها [4] على أعدائه، وهي دار ممر لا دار مستقر، والناس فيها رجلان:
رجل باع نفسه فأوبقها، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها، إن اعذوذب [5] منها جانب فجلا أمر منها جانب فأوبى [6]، أولها عناء وآخرها فناء، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن ساعاها فاتته، ومن قعد عنها أتته، ومن أبصرها بصرته، ومن أبصر إليها أعمته، فالإنسان فيها غرض المنايا مع كل جرعة شرق [7]، ومع كل أكلة غصص، لا ينال منها نعمة إلا بفراق أخرى.
Página 179