وقد راح الشيخ إلى أهله حين تقدم الليل ، وكانت نفسه تنازعه أن يتحدث إليهم ببعض ما رأى وما سمع، ولكنه ردها إلى الحزم، وحملها على الصمت، مخافة أن يظن أهله به الظنون، وأن يتحقق هذا النذير الذي ألقته إليه الفتاة فاستقبل الليل كارها لهدوئه، وطلب النوم جاهدا فلم يظفر به إلا بعد انتظار طويل، ولم ينعم به بريئا من الأحلام المزعجة والأطياف المروعة، ولم يعرف الهدوء إلا حين استقبل النهار المشرق، واضطرب مع أهل القرية فيما تعود أن يضطرب معهم فيه من شئون الحياة.
ولم يزر الباشا من يومه ذاك، كأنه قدر أن هذه الفتاة ستعرض له بين تلك الشجرات مستظلة بتلك الغصون المتكاثفة في طرف الحديقة مما يلي القرية، وقد شهد صلاة العشاءين مع أصحابه، واستقبل ليلة هادئة، واستقبل نهارا مشرقا هادئا، حتى إذا ارتفع الضحى، سعى إلى القصر يريد أن يزور الباشا في النهار الواضح المبصر، لا في الأصيل الشاحب الذي يسعى إلى الإظلام أو يسعى إليه الإظلام، والذي تعرض فيه الفتيات الحسان في ظل الأغصان، ولكنه رأى الباشا مكتئبا مفرق النفس، كأن أمرا ذا بال يهمه، ويصرفه عن إدارة الحديث مع جلسائه كما تعود أن يدير الأحاديث في لباقته ورشاقته وذكائه الحاد، وكان الشيخ أثيرا عند الباشا، محببا إلى نفسه، مشيرا عليه فيما يعرض له من الأمر، فلما رأى اكتئابه وابتئاس نفسه، أطال المقام ولم ينصرف مع الناس حين انصرفوا، وإنما استأنى وتريث، حتى إذا خلا له وجه الباشا سأله مترفقا به عن هذا الأمر العارض الذي أهمه، واضطره إلى ما هو فيه من هذا الحزن الكئيب.
قال الباشا، وعلى ثغره ابتسامة شاحبة، وفي صوته تكسر حزين: ما أدري أأحدثك بهذا الحديث أم أطويه عنك، فإني أنكره أشد الإنكار، وأكاد أخفيه على نفسي أشد الإخفاء، وقد هممت أن أسافر إلى القاهرة لأرى الطبيب، ثم بدا لي فدعوت الطبيب إلى زيارتي، وإلى أن ينفق معي يومه إذا كان الغد، والأمد بيننا وبين القاهرة غير بعيد، واليوم يوم الخميس، فليس على الطبيب بأس أن ينفق معنا يومه غدا.
قال الشيخ: فإني لم أفهم عنك، ولم أتبين هذه الصلة الغريبة بين ما يظهر عليك من حزن، وبين دعوتك للطبيب إلى أن ينفق معك ساعات من نهار.
قال الباشا: ألم أقل لك إني أنكر نفسي، وأخشى أن يكون قد ألم بي بعض العلة، فقد رأيت أمس ما روعني، وسمعت أمس ما أخافني، وإني لأستحيي من نفسي حين أفكر فيما سمعت وما رأيت، وإني لأستحيي منك أن أحدثك بما سمعت وما رأيت.
قال الشيخ، وهو مهتم يتكلف الابتسام، وصوته مضطرب يتكلف الثبات: ماذا سمعت، وماذا رأيت؟ قال الباشا في صوت يكاد يبين عن الجزع: سمعت صوتا لم أسمع قط أعذب منه ... ورأيت شخصا لم أر قط أجمل منه، ثم انقطع عني الصوت، واحتجب عني الشخص، وترك في نفسي ما ترى من حزن واكتئاب، وقد ذكر الشيخ ما رأى، وذكر ما سمع، وهم أن يتحدث إلى الباشا بمثل ما تحدث به الباشا إليه، ولكنه خاف النذير فآثر الصمت، ومضى الباشا في حديثه فقال: كان ذلك حين آذنت الشمس بالغروب، وحين أخذت ظلمة الليل تغزو الفضاء، وقد كنت أسعى في هذه الحديقة فما راعني إلا فتاة بارعة الجمال، رائعة القوام، تنظر إلي بطرف نافذ كأنه السهم ... فأسألها من هي، ومن أين أقبلت! وإلى أين تريد، وماذا تبتغي! فلا أسمع منها إلا أجوبة غامضة لا أفهم منها شيئا، فهي مقبلة من حيث لا أظن، وقاصدة إلى حيث لا أقدر، ومريدة ما لا أستطيع، وقائلة ما لا أفهم، وأريد أن أستوضحها، وإذا شخصها يستخفي مني، وإذا صوتها ينأى عني شيئا فشيئا، وهو يقول لا بد مما ليس منه بد، خير لك أن تقدم على الأمر طائعا راضيا من أن تقدم عليه كارها مضطرا، وقد سمعت هذه الكلمات الأخيرة يلقيها إلي صوت غريب كأنه الصدى.
ولم يشك الشيخ حين سمع حديث الباشا في أن صاحبته تلك التي عرضت له في طرف من أطراف الحديقة هي التي عرضت لصاحب القصر، وهي التي تحدثت إليه، ولكنه على ذلك لم يفض إلى الباشا بذات نفسه، وإنما قال له متضاحكا: لو علمت أنك تسمع لي لطلبت إليك أن تفعل كما أفعل، وأن تقرأ أجزاء من القرآن في كل يوم تذكر الله بتلاوتها، فإن ذكر الله يملأ القلوب أمنا واطمئنانا، ويرد عن النفوس ما يروعها ويؤذيها من الخوف والريب، وقد أحسنت إذ دعوت الطبيب، وما أرى إلا أن مقدمه سينفعني فسأستشيره في بعض ما أجد من الضعف، وإن كنت لا أنتظر منه خيرا كثيرا، فإن هذا الضعف الذي أجده لا دواء له؛ لأنه ضعف الشيخوخة والهرم.
وتنقل الرجلان في أحاديث كثيرة مختلفة أشد الاختلاف يسلي كل منهما بهذا التنقل نفسه وصاحبه عن هذه الصورة الملحة، وهذا الصوت المتصل، وهذا النذير الغامض الغريب.
وقد حرص الشيخ على أن ينصرف عن القصر قبل أن تصلى العصر حتى لا يرى ذلك الشخص، ولا يسمع ذلك الصوت، ولكنه يقبل إلى المسجد حين يدعو المؤذن إلى صلاة المغرب، ولا يكاد يبلغ الباب حتى رأى شخصين غريبين قد قام كل واحد منهما على جانب من جانبيه، وينظر الشيخ في شيء من الروع إلى أحد هذين الشخصين، فلا يشك في أنه يرى الفتاة التي رآها في طرف من أطراف الحديقة، وينظر إلى الشخص الآخر فإذا هو صورة مطابقة للشخص الأول كأنما كل واحد من هذين الشخصين تمثال لصاحبه يطابقه أشد المطابقة، ويصوره أدق التصوير، ويرى الشيخ على ثغر كل من هذين الشخصين ابتسامة حازمة صارمة، ولكن فيها عذوبة تنفذ إلى قلبه فتملؤه أمنا وروحا، وقد رفع الشيخ صوته حين رأى هذين الشخصين بتلاوة ما تيسر من القرآن، ولكنه يسمع الصوتين يتلوان معه ما كان يتلو، ويجد تلك العذوبة التي وجدها حين كانت الفتاة تتحدث إليه، وتحاوره في ظل تلك الغصون، فيسرع إلى المسجد مخافة الفتنة، وينغمس في جماعة الناس، وقد أشفق على نفسه من شر عظيم.
ولست في حاجة إلى أن أصور ما ملأ قلب الشيخ من روع وروعة، ومن خوف وأمن، ومن يأس ورجاء؛ فقد كان يحب أن يرى هذه الصورة، ويشفق من رؤيتها، وقد كان يرجو أن يسمع هذا الصوت ويخاف من سماعه، وقد جعل يحيا حياة مضطربة بين هذه العواطف المتناقضة.
Página desconocida