990

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويله: { إن الذين ءامنوا } بموسى { ثم كفروا } به { ثم ءامنوا } يعني النصارى بعيسى، { ثم كفروا } به { ثم ازدادوا كفرا } بمحمد، { لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا }. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا } وهم اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة، ثم كفرت وآمنت النصارى بالإنجيل، ثم كفرت وكفرهم به: تركهم إياه، ثم ازدادوا كفرا بالفرقان وبمحمد صلى الله عليه وسلم، فقال الله: { لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا } يقول: لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريق هدى، وقد كفروا بكتاب الله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: «إن الذين آمنوا ثم كفروا } قال: هؤلاء اليهود آمنوا بالتوراة، ثم كفروا. ثم ذكر النصاري، ثم قال: { ثم ءامنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا } يقول: آمنوا بالإنجيل ثم كفروا به، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقال آخرون: بل عني بذلك: أهل النفاق أنهم آمنوا ثم ارتدوا، ثم آمنوا ثم ارتدوا، ثم ازدادوا كفرا بموتهم على كفرهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: { إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا } قال: كنا نحسبهم المنافقين، ويدخل في ذلك من كان مثلهم. { ثم ازدادوا كفرا } قال: ثموا على كفرهم حتى ماتوا. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { ثم ازدادوا كفرا } قال: ماتوا. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { ثم ازدادوا كفرا } قال: حتى ماتوا. حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { إن الذين ءامنوا ثم كفروا }... الآية، قال: هؤلاء المنافقون آمنوا مرتين، وكفروا مرتين، ثم ازدادوا كفرا بعد ذلك. وقال آخرون: بل هم أهل الكتابين: التوراة والإنجيل، أتوا ذنوبا في كفرهم فتابوا، فلم تقبل منهم التوبة فيها مع إقامتهم على كفرهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية: { إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا } قال: هم اليهود والنصارى أذنبوا في شركهم، ثم تابوا فلم تقبل توبتهم، ولو تابوا من الشرك لقبل منهم.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عني بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة، ثم كذبوا بخلافهم إياه، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، فازداد بتكذيبه به كفرا على كفره . وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب في تأويل هذه الآية، لأن الآية قبلها في قصص أهل الكتابين، أعني قوله:

يأيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ورسوله

[النساء: 136] ولا دلالة تدل على أن قوله: { إن الذين ءامنوا ثم كفروا } منقطع معناه من معنى ما قبله، فإلحاقه بما قبله أولى حتى تأي دلالة دالة على انقطاعه منه. وأما قوله: { لم يكن الله ليغفر لهم } فإنه يعني: لم يكن الله ليستر عليهم كفرهم وذنوبهم بعفوه عن العقوبة لهم عليه، ولكنه يفضحهم على رءوس الأشهاد. { ولا ليهديهم سبيلا } يقول: ولم يكن ليسددهم لإصابة طريق الحق فيوفقهم لها، ولكنه يخذلهم عنها عقوبة لهم على عظيم جرمهم وجراءتهم على ربهم. وقد ذهب قوم إلى أن المرتد يستتاب ثلاثا انتزاعا منهم بهذه الآية، وخالفهم على ذلك آخرون. ذكر من قال يستتاب ثلاثا: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص، عن أشعث، عن الشعبي، عن علي عليه السلام، قال: إن كنت لمستتيب المرتد ثلاثا. ثم قرأ هذه الآية: { إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا }. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر، عن علي رضي الله عنه: يستتاب المرتد ثلاثا، ثم قرأ: { إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا }. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن رجل، عن ابن عمر، قال: يستتاب المرتد ثلاثا. وقال آخرون: يستتاب كلما ارتد. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عمرو بن قيس، عمن سمع إبراهيم، قال: يستتاب المرتد كلما ارتد. قال أبو جعفر: وفي قيام الحجة بأن المرتد يستتاب المرة الأولى، الدليل الواضح على أن الحكم كل مرة ارتد فيها عن الإسلام حكم المرة الأولى في أن توبته مقبولة، وأن إسلامه حقن له دمه لأن العلة التي حقنت دمه في المرة الأولى إسلامه، فغير جائز أن توجد العلة التي من أجلها كان دمه محقونا في الحالة الأولى ثم يكون دمه مباحا مع وجودها، إلا أن يفرق بين حكم المرة الأولى وسائر المرات غيرها ما يجب التسليم له من أصل محكم، فيخرج من حكم القياس حينئذ.

[4.138]

يعني بذلك جل ثناؤه: { وبشر المنفقين }: أخبر المنافقين، وقد بينا معنى التبشير فيما مضى بما أغني عن إعادته. { بأن لهم عذابا أليما } يعني: بأن لهم يوم القيامة من الله على نفاقهم، عذابا أليما، وهو الموجع، وذلك عذاب جهنم.

[4.139]

. أما قوله جل ثناؤه: { الذين يتخذون الكفرين أولياء من دون المؤمنين } فمن صفة المنافقين. يقول الله لنبيه: يا محمد، بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي والإلحاد في ديني أولياء: يعني أنصارا وأخلاء من دون المؤمنين، يعني: من غير المؤمنين. { أيبتغون عندهم العزة } يقول: أيطلبون عندهم المنعة والقوة باتخاذهم إياهم أولياء من دون أهل الإيمان بي. { فإن العزة لله جميعا } يقول: فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاء العزة عندهم، هم الأذلاء الأقلاء، فهلا اتخذوا الأولياء من المؤمنين، فيلتمسوا العزة والمنعة والنصرة من عند الله، الذي له العزة والمنعة، الذي يعز من يشاء، ويذل من يشاء فيعزهم ويمنعهم؟ وأصل العزة: الشدة ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز، وقيل: قد استعز على المريض: إذا اشتد مرضه وكاد يشفي، ويقال: تعزز اللحم: إذا اشتد ومنه قيل: عز علي أن يكون كذا وكذا، بمعنى: اشتد علي.]

[4.140]

. يعني بذلك جل ثناؤه: بشر المنافقين الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. { وقد نزل عليكم فى الكتب } يقول: أخبر من اتخذ من هؤلاء المنافقين الكفار أنصارا وأولياء بعد ما نزل عليهم من القرآن. { أن إذا سمعتم ءايت الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره } يعني: بعد ما علموا نهى الله عن مجالسة الكفار الذين يكفرون بحجج الله وآي كتابه، ويستهزئون بها، { حتى يخوضوا فى حديث غيره } يعني بقوله: { يخوضوا }: يتحدثوا حديثا غيره بأن لهم عذابا أليما. وقوله: { إنكم إذا مثلهم } يعني: وقد نزل عليكم أنكم إن جالستم من يكفر بآيات الله، ويستهزىء بها وأنتم تسمعون فأنتم مثله، يعني : فأنتم إن لم تقوموا عنهم في تلك الحال مثلهم في فعلهم، لأنكم قد عصيتم الله بجلوسكم معهم، وأنتم تسمعون آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها، كما عصوه باستهزائهم بآيات الله، فقد أتيتم من معصية الله نحو الذي أتوه منها، فأنتم إذا مثلهم في ركوبكم معصية الله، وإتيانكم ما نهاكم الله عنه. وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع من المبتدعة والفسقة عند خوضهم في باطلهم. وبنحو ذلك كان جماعة من الأمة الماضية يقولون تأولا منهم هذه الآية، إنه مراد بها النهي عن مشاهدة كل باطل عند خوض أهله فيه. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي، عن أبي وائل، قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة في المجلس من الكذب ليضحك بها جلساءه، فيسخط الله عليهم. قال: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: صدق أبو وائل! أو ليس ذلك في كتاب الله: { أن إذا سمعتم ءايت الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره إنكم إذا مثلهم }. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن العلاء بن المنهال، عن هشام بن عروة، قال: أخذ عمر بن عبد العزيز قوما على شراب، فضربهم وفيهم صائم، فقالوا: إن هذا صائم! فتلا: { فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره إنكم إذا مثلهم }. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { أن إذا سمعتم ءايت يكفر بها ويستهزأ بها } وقول:

Página desconocida