909

[4.73]

يقول جل ثناؤه: { ولئن أصبكم فضل من الله }: ولئن أظفركم الله بعدوكم، فأصبتم منهم غنيمة { ليقولن } هذا المبطىء المسلمين عن الجهاد معكم في سبيل الله المنافق { كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يليتنى كنت معهم فأفوز } بما أصيب معهم من الغنيمة { فوزا عظيما }. وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المنافقين أن شهودهم الحرب مع المسلمين إن شهدوها لطلب الغنيمة، وإن تخلفوا عنها فللشك الذي في قوبلهم، وأنهم لا يرجون لحضورها ثوابا ولا يخافون بالتخلف عنها من الله عقابا. وكان قتادة وابن جريج يقولان: إنما قال من قال من المنافقين إذا كان الظفر للمسلمين: يا ليتني كنت معهم، حسدا منهم لهم. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ولئن أصبكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يليتنى كنت معهم فأفوز فوزا عظيما } قال: قول حاسد. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: { ولئن أصبكم فضل من الله } قال: ظهور المسلمين على عدوهم، فأصابوا الغنيمة { ليقولن } { مودة يليتنى كنت معهم فأفوز فوزا عظيما } قال: قول الحاسد. ]

[4.74]

وهذا حض من الله المؤمنين على جهاد عدوه من أهل الكفر به على أحايينهم غالبين كانوا أو مغلوبين، والتهاون بأحوال المنافقين في جهاد من جاهدوا من المشركين، وقع جهادهم إياهم مغلوبين كانوا أو غالبين منزلة من الله رفيعة. يقول الله لهم جل ثناؤه: { فليقاتل فى سبيل الله } يعني: في دين الله والدعاء إليه والدخول فيما أمر به أهل الكفر به، { الذين يشرون الحيوة الدنيا بالأخرة } يعني: الذين يبيعون حياتهم الدنيا بثواب الآخرة وما وعد الله أهل طاعته فيها. وبيعهم إياها بها، إنفاقهم أموالهم في طلب رضا الله، كجهاد من أمر بجهاده من أعدائه وأعداء دينه، وبذلهم مهجهم له في ذلك. أخبر جل ثناؤه بما لهم في ذلك إذا فعلوه، فقال: { ومن يقتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما } يقول: ومن يقاتل في طلب إقامة دين الله وإعلاء كلمة الله أعداء الله، فيقتل، يقول: فيقتله أعداء الله أو يغلبهم، فيظفر بهم { فسوف نؤتيه أجرا عظيما } يقول: فسوف نعطيه في الآخرة ثوابا وأجرا عظيما. وليس لما سمي جل ثناؤه عظيما مقدار يعرف مبلغه عباد الله. وقد دللنا على أن الأغلب على معنى «شريت» في كلام العرب «بعت» بما أغنى. وقد: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فليقاتل فى سبيل الله الذين يشرون الحيوة الدنيا بالأخرة } يقول: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { يشرون الحيوة الدنيا بالأخرة } فيشري: يبيع، ويشري: يأخذ، وإن الحمقى باعوا الدنيا بالآخرة.

[4.75]

يعني بذلك جل ثناؤه: وما لكم أيها المؤمنون لا تقاتلون في سبيل الله، وفي المستضعفين، يقول: عن المستضعفين منكم من الرجال والنساء والولدان. فأما من الرجال فإنهم كانوا قد أسلموا بمكة، فغلبتهم عشائرهم على أنفسهم بالقهر لهم وآذوهم ونالوهم بالعذاب والمكاره في أبدانهم، ليفتنوهم عن دينهم. فحض الله المؤمنين على استنقاذهم من أيدي من قد غلبهم على أنفسهم من الكفار، فقال لهم: وما شأنكم لا تقاتلون في سبيل الله وعن مستضعفي أهل دينكم وملتكم الذين قد استضعفهم الكفار فاستذلوهم ابتغاء فتنتهم وصدهم عن دينهم من الرجال والنساء؟ والولدان جمع ولد: وهم الصبيان. { الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظلم أهلها } يعني بذلك أن هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان يقولون في دعائهم ربهم بأن ينجيهم من فتنة من قد استضعفهم من المشركين: يا ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها والعرب تسمي كل مدينة قرية يعني: التي قد ظلمتنا وأنفسها وأهلها. وهي في هذا الموضع فيما فسر أهل التأويل مكة وخفض الظالم، لأنه من صفة الأهل، وقد عادت الهاء والألف اللتان فيه على القرية، وكذلك تفعل العرب إذا تقدمت صفة الاسم الذي معه عائد لاسم قبلها أتبعت إعرابها إعراب الاسم الذي قبلها كأنها صفة له، فتقول: مررت بالرجل الكريم أبوه. { واجعل لنا من لدنك وليا } يعني أنهم يقولون أيضا في دعائهم: يا ربنا واجعل لنا من عندك وليا، يلي أمرنا بالكفاية مما نحن فيه من فتنة أهل الكفر بك. { واجعل لنا من لدنك نصيرا } يقولون: واجعل لنا من عندك من ينصرنا على من ظلمنا من أهل هذه القرية الظالم أهلها، بصدهم إيانا عن سبيلك، حتى تظفرنا بهم ونعلي دينك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { من الرجال والنساء والولدن الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظلم أهلها } قال: أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفي المؤمنين كانوا بمكة. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { والمستضعفين من الرجال والنساء والولدن } الصبيان { الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظلم أهلها } مكة، أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وما لكم لا تقتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدن الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظلم أهلها } يقول: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي المستضعفين، وأما القرية: فمكة.

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا المبارك، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: { وما لكم لا تقتلون فى سبيل الله والمستضعفين } قال: وفي المستضعفين. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع محمد بن مسلم بن شهاب يقول: { وما لكم لا تقتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدن } قال: في سبيل الله وسبيل المستضعفين. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن وقتادة، في قوله: { أخرجنا من هذه القرية الظلم أهلها } قالا: خرج رجل من القرية الظالمة إلى القرية الصالحة، فأدركه الموت في الطريق، فنأي بصدره إلى القرية الصالحة، فاحتجت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمروا أن يقدروا أقرب القريتين إليه، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر. وقال بعضهم: قرب الله إليه القرية الصالحة، فتوفته ملائكة الرحمة. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { والمستضعفين من الرجال والنساء والولدن } هم أناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا منها ليهاجروا، فعذرهم الله، وفيهم نزل قوله: { ربنا أخرجنا من هذه القرية الظلم أهلها } فهي مكة. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وما لكم لا تقتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدن الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظلم أهلها } قال: وما لكم لا تفعلون، تقاتلون لهؤلاء الضعفاء المساكين الذين يدعون الله بأن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها، فهم ليس لهم قوة؟ فما لكم لا تقاتلون حتى يسلم لله هؤلاء ودينهم؟ قال: والقرية الظالم أهلها: مكة. ]

[4.76]

يعني تعالى ذكره: الذين صدقوا الله ورسوله وأيقنوا بموعود الله لأهل الإيمان به، { يقتلون فى سبيل الله } يقول: في طاعة الله ومنهاج دينه وشريعته التي شرعها لعباده. { والذين كفروا يقتلون فى سبيل الطغوت } يقول: والذين جحدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله وما جاءهم به من عند ربهم، { يقتلون فى سبيل الطغوت } يعني: في طاعة الشيطان وطريقه ومنهاجه الذي شرعه لأوليائه من أهل الكفر بالله. يقول الله مقويا عزم المؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحرضهم على أعدائه وأعداء دينه من أهل الشرك به. { فقتلوا } أيها المؤمنون { أولياء الشيطن } يعني بذلك: الذين يتولونه ويطيعون أمره في خلاف طاعة الله والتكذيب به، وينصرونه. { وأن كيد الشيطن كان ضعيفا } يعني بكيده: ما كاد به المؤمنين من تحزيبه أولياءه من الكفار بالله على رسوله وأوليائه أهل الإيمان به. يقول: فلا تهابوا أولياء الشيطان، فإنما هم حزبه وأنصاره، وحزب الشيطان أهل وهن وضعف. وإنما وصفهم جل ثناؤه بالضعف، لأنهم لا يقاتلون رجاء ثواب، ولا يتركون القتال خوف عقاب، وإنما يقاتلون حمية أو حسدا للمؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، والمؤمنون يقاتل من قاتل منهم رجاء العظيم من ثواب الله، ويترك القتال إن تركه على خوف من وعيد الله في تركه، فهو يقاتل على بصيرة بما له عند الله إن قتل، وبما له من الغنيمة والظفر إن سلم. والكافر يقاتل على حذر من القتل، وإياس من معاد، فهو ذو ضعف وخوف. ]

[4.77]

Página desconocida