Tafsir al-Tabari
جامع البيان في تفسير القرآن
أخاف زيادا أن يكون عطاؤه
أداهم سودا أو محدرجة سمرا
فجعل العطاء العقوبة، وذلك كقول القائل لآخر سلف إليه منه مكروه: لأجازينك على فعلك، ولأثيبنك ثوابك. وأما قوله: { غما بغم } فإنه قيل: غما بغم، معناه: غما على غم، كما قيل: { ولاصلبنكم فى جذوع النخل } بمعنى: ولأصلبنكم على جذوع النخل. وإنما جاز ذلك، لأن معنى قول القائل: أثابك الله غما على غم: جزاك الله غما بعد غم تقدمه، فكان كذلك معنى: فأثابكم غما بغم، لأن معناه: فجزاكم الله غما بعقب غم تقدمه، وهو نظير قول القائل: نزلت ببني فلان، ونزلت على بني فلان، وضربته بالسيف، وعلى السيف. واختلف أهل التأويل في الغم الذي أثيب القوم على الغم، وما كان غمهم الأول والثاني، فقال بعضهم: أما الغم الأول، فكان ما تحدث به القوم أن نبيهم صلى الله عليه وسلم قد قتل. وأما الغم الآخر، فإنه كان ما نالهم من القتل والجراح. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { فأثبكم غما بغم } كانوا تحدثوا يومئذ أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أصيب، وكان الغم الآخر قتل أصحابهم والجراحات التي أصابتهم قال: وذكر لنا أنه قتل يومئذ سبعون رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة وستون رجلا من الأنصار، وأربعة من المهاجرين. وقوله: { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } يقول: ما فاتكم من غنيمة القوم، ولا ما أصابكم في أنفسكم من القتل والجراحات. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { فأثبكم غما بغم } قال: فرة بعد فرة، الأولى: حين سمعوا الصوت أن محمدا قد قتل والثانية: حين رجع الكفار فضربوهم مدبرين، حتى قتلوا منهم سبعين رجلا، ثم انحازوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلوا يصعدون في الجبل، والرسول يدعوهم في أخراهم. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه. وقال آخرون: بل غمهم الأول كان قتل من قتل منهم، وجرح من جرح منهم والغم الثاني: كان من سماعهم صوت القائل: قتل محمد صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسين بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { غما بغم } قال: الغم الأول: الجراح والقتل والغم الثاني: حين سمعوا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد قتل. فأنساهم الغم الآخر ما أصابهم من الجراح والقتل وما كانوا يرجون من الغنيمة، وذلك حين يقول: { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصبكم }.
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { فأثبكم غما بغم } قال: الغم الأول: الجراح والقتل والغم الآخر: حين سمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل. فأنساهم الغم الآخر ما أصابهم من الجراح والقتل، وما كانوا يرجون من الغنيمة، وذلك حين يقول الله: { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصبكم }. وقال آخرون: بل الغم الأول ما كان فاتهم من الفتح والغنيمة والثاني إشراف أبي سفيان عليهم في الشعب. وذلك أن أبا سفيان فيما زعم بعض أهل السير لما أصاب من المسلمين ما أصاب، وهرب المسلمون، جاء حتى أشرف عليهم وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب أحد الذي كانوا ولوا إليه عند الهزيمة، فخافوا أن يصطلمهم أبو سفيان وأصحابه. ذكر الخبر بذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه، وضع رجل سهما في قوسه، فأراد أن يرميه، فقال:
" أنا رسول الله "
ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا، وفرح رسول الله حين رأى أن في أصحابه من يمتنع. فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذهب عنهم الحزن، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا. فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم فلما نظروا إليه، نسوا ذلك الذي كانوا عليه، وهمهم أبو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ليس لهم أن يعلونا، اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد "
ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم، فقال أبو سفيان يومئذ: اعل هبل! حنظلة بحنظلة، ويوم بيوم بدر. وقتلوا يومئذ حنظلة بن الراهب وكان جنبا فغسلته الملائكة، وكان حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر قال أبو سفيان: لنا العزى، ولا عزى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر:
" قل الله مولانا ولا مولى لكم "
فقال أبو سفيان: فيكم محمد؟ قالوا: نعم، قال: أما إنها قد كانت فيكم مثلة، ما أمرت بها، ولا نهيت عنها، ولا سرتني، ولا ساءتني. فذكر الله إشراف أبي سفيان عليهم، فقال: { فأثبكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصبكم } الغم الأول: ما فاتهم من الغنيمة والفتح والغم الثاني: إشراف العدو عليهم، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة، ولا ما أصابكم من القتل حين تذكرون، فشغلهم أبو سفيان.
Página desconocida