Tafsir al-Tabari
جامع البيان في تفسير القرآن
إن اللئيم العاجز الخب
القول في تأويل قوله تعالى: { منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الأخرة }. يعني جل ثناؤه بقوله: { منكم من يريد الدنيا }: الذين تركوا مقعدهم الذي أقعدهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب من أحد لخيل المشركين، ولحقوا بمعسكر المسلمين طلب النهب إذ رأوا هزيمة المشركين { ومنكم من يريد الأخرة } يعني بذلك: الذين ثبتوا من الرماة في مقاعدهم التي أقعدهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتبعوا أمره، محافظة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابتغاء ما عند الله من الثواب بذلك من فعلهم، والدار الآخرة. كما: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الأخرة } فالذين انطلقوا يريدون الغنيمة، هم أصحاب الدنيا والذين بقوا، وقالوا: لا نخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أرادوا الآخرة. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس مثله. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الأخرة } فإن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم أحد طائفة من المسلمين، فقال:
" كونوا مسلحة للناس "
بمنزلة أمرهم أن يثبتوا بها، وأمرهم أن لا يبرحوا مكانهم حتى يأذن لهم، فلما لقي بني الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أبا سفيان ومن معه من المشركين، هزمهم نبي الله صلى الله عليه وسلم: فلما رأى المسلحة أن الله عز وجل هزم المشركين، انطلق بعضهم وهم يتنادون: الغنيمة الغنيمة لا تفتكم! وثبت بعضهم مكانهم، وقالوا: لا نريم موضعنا حتى يأذن لنا نبي الله صلى الله عليه وسلم. ففي ذلك نزل: { منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الأخرة } فكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: قال ابن عباس: لما هزم الله المشركين يوم أحد، قال الرماة: أدركوا الناس ونبي الله صلى الله عليه وسلم لا يسبقوكم إلى الغنائم فتكون لهم دونكم! وقال بعضهم: لا نريم حتى يأذن لنا النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: { منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الأخرة } قال ابن جريج: قال ابن مسعود: ما علمنا أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يومئذ. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن المبارك، عن الحسن: { منكم من يريد الدنيا } هؤلاء الذين يحوزون الغنائم، { ومنكم من يريد الأخرة } الذين يتبعونهم يقتلونهم. حدثنا الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي عن عبد خير، قال: قال عبد الله: ما كنت أرى أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا، حتى نزل فينا يوم أحد: { منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الأخرة }. حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، عن عبد خير، قال: قال ابن مسعود: ما كنت أظن أن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أحدا يريد الدنيا حتى قال الله ما قال. حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: قال عبد الله بن مسعود لما رآهم وقعوا في الغنائم: ما كنت أحسب أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان اليوم. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يومئذ. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق { منكم من يريد الدنيا } أي الذين أرادوا النهب رغبة في الدنيا وترك ما أمروا به من الطاعة التي عليها ثواب الآخرة، { ومنكم من يريد الأخرة }: أي الذين جاهدوا في الله لم يخالفوا إلى ما نهوا عنه لعرض من الدنيا رغبة في رجاء ما عند الله من حسن ثوابه في الآخرة. القول في تأويل قوله تعالى: { ثم صرفكم عنهم ليبتليكم }. يعني بذلك جل ثناؤه: ثم صرفكم أيها المؤمنون عن المشركين بعد ما أراكم ما تحبون فيهم، وفي أنفسكم من هزيمتكم إياهم، وظهوركم عليهم، فرد وجوهكم عنهم لمعصيتكم أمر رسولي، ومخالفتكم طاعته، وإيثاركم الدنيا على الآخرة، عقوبة لكم على ما فعلتم، ليبتليكم، يقول: ليختبركم، فيتميز المنافق منكم من المخلص، الصادق في إيمانه منكم.
كما: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: ثم ذكر حين مال عليهم خالد بن الوليد: { ثم صرفكم عنهم ليبتليكم }. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن مبارك، عن الحسن في قوله: { ثم صرفكم عنهم } قال: صرف القوم عنهم، فقتل من المسلمين بعدة من أسروا يوم بدر، وقتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وشج في وجهه، وكان يمسح الدم عن وجهه، ويقول:
" كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ "
فنزلت:
ليس لك من الأمر شىء
[آل عمران: 128]... الآية، فقالوا: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدنا النصر؟ فأنزل الله عز وجل: { ولقد صدقكم الله وعده } إلى قوله: { ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم }. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { ثم صرفكم عنهم ليبتليكم }: أي صرفكم عنهم ليختبركم، وذلك ببعض ذنوبكم. القول في تأويل قوله تعالى: { ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين }. يعني بقوله جل ثناؤه: { ولقد عفا عنكم }: ولقد عفا الله أيها المخالفون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتاركون طاعته، فيما تقدم إليكم من لزوم الموضع الذي أمركم بلزومه عنكم، فصفح لكم من عقوبة ذنبكم الذي أتيتموه عما هو أعظم مما عاقبكم به من هزيمة أعدائكم إياكم، وصرف وجوهكم عنهم إذ لم يستأصل جمعكم. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن مبارك، عن الحسن، في قوله: { ولقد عفا عنكم } قال: قال الحسن وصفق بيديه: وكيف عفا عنهم وقد قتل منهم سبعون، وقتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وشج في وجهه؟ قال: ثم يقول: قال الله عز وجل: قد عفوت عنكم إذ عصيتموني أن لا أكون استأصلتكم. قال: ثم يقول الحسن: هؤلاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل الله غضاب لله، يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فصنعوه، فوالله ما تركوا حتى غموا بهذا الغم، فأفسق الفاسقين اليوم يتجرأ على كل كبيرة، ويركب كل داهية، ويسحب عليها ثيابه، ويزعم أن لا بأس عليه، فسوف يعلم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: { ولقد عفا عنكم } قال: لم يستأصلكم. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { ولقد عفا عنكم }: ولقد عفا الله عن عظيم ذلك لم يهلككم بما أتيتم من معصية نبيكم، ولكن عدت بفضلي عليكم.
Página desconocida