Tafsir al-Tabari
جامع البيان في تفسير القرآن
" سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد "
ثم يقول وهو قائم:
" اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله "
ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزل قوله: { ليس لك من الأمر شىء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظلمون }.
[3.129]
يعني بذلك تعالى ذكره: ليس لك يا محمد من الأمر شيء، ولله جميع ما بين أقطار السموات والأرض من مشرق الشمس إلى مغربها دونك ودونهم، يحكم فيهم بما شاء، ويقضي فيهم ما أحب، فيتوب على من أحب من خلقه العاصين أمره ونهيه، ثم يغفر له ويعاقب من شاء منهم على جرمه، فينتقم منه، وهو الغفور الذي يستر ذنوب من أحب أن يستر عليه ذنوبه من خلقه بفضله عليهم بالعفو والصفح، والرحيم بهم في تركه عقوبتهم عاجلا على عظيم ما يأتون من المآثم. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { والله غفور رحيم }: أي يغفر الذنوب، ويرحم العباد على ما فيهم.
[3.130]
يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تأكلوا الربا في إسلامكم، بعد إذ هداكم له، كما كنتم تأكلونه في جاهليتكم. وكان أكلهم ذلك في جاهليتهم أن الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه، فيقول له الذي عليه المال: أخر عني دينك، وأزيدك على مالك! فيفعلان ذلك، فذلك هو الربا أضعافا مضاعفة، فنهاهم الله عز وجل في إسلامهم عنه. كما: حدثنا محمد بن سنان، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: كانت ثقيف تداين في بني المغيرة في الجاهلية، فإذا حل الأجل، قالوا: نزيدكم وتؤخرون! فنزلت: { لا تأكلوا الربا أضعفا مضعفة }. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: { يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا الربا أضعفا مضعفة }: أي لا تأكلوا في الإسلام إذ هداكم له، ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيره مما لا يحل لكم في دينكم. حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا الربا أضعفا مضعفة } قال: ربا الجاهلية. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال سمعت ابن زيد يقول في قوله: { لا تأكلوا الربا أضعفا مضعفة } قال: كان أبي يقول: إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن، يكون للرجل فضل دين، فيأتيه إذا حل الأجل، فيقول له: تقضيني أو تزيدني؟ فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، وإلا حوله إلى السن التي فوق ذلك، إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثم حقة، ثم جذعة ثم رباعيا، ثم هكذا إلى فوق. وفي العين يأتيه، فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضا، فتكون مائة فيجعلها إلى قابل مائتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمائة، يضعفها له كل سنة، أو يقضيه. قال: فهذا قوله: { لا تأكلوا الربا أضعفا مضعفة }. وأما قوله: { واتقوا الله لعلكم تفلحون } فإنه يعني: واتقوا الله أيها المؤمنون في أمر الربا فلا تأكلوه، وفي غيره مما أمركم به، أو نهاكم عنه، وأطيعوه فيه لعلكم تفلحون، يقول: لتنجحوا فتنجوا من عقابه، وتدركوا ما رغبكم فيه من ثوابه، والخلود في جنانه. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { واتقوا الله لعلكم تفلحون }: أي فأطيعوا الله لعلكم أن تنجوا مما حذركم من عذابه، وتدركوا ما رغبكم فيه من ثوابه.
[3.131]
يقول تعالى ذكره للمؤمنين: واتقوا أيها المؤمنون النار أن تصلوها بأكلكم الربا بعد نهيي إياكم عنه التي أعددتها لمن كفر بي، فتدخلوا مداخلهم بعد إيمانكم بي بخلافكم أمري، وترككم طاعتي. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { واتقوا النار التى أعدت للكفرين } التي جعلت دارا لمن كفر بي.
Página desconocida