Tafsir al-Tabari
جامع البيان في تفسير القرآن
وأما قوله: { تأمرون بالمعروف } فإنه يعني: تأمرون بالإيمان بالله ورسوله، والعمل بشرائعه، { وتنهون عن المنكر } يعني : وتنهون عن الشرك بالله، وتكذيب رسوله، وعن العمل بما نهى عنه. كما: حدثنا علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: { كنتم خير أمة أخرجت للناس } يقول: تأمرونهم بالمعروف أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه، ولا إله إلا الله هو أعظم المعروف، وتنهونهم عن المنكر والمنكر: هو التكذيب، وهو أنكر المنكر. وأصل المعروف: كل ما كان معروفا ففعله جميل مستحسن غير مستقبح في أهل الإيمان بالله. وإنما سميت طاعة الله معروفا، لأنه مما يعرفه أهل الإيمان ولا يستنكرون فعله. وأصل المنكر ما أنكره الله، ورأوه قبيحا فعله، ولذلك سميت معصية الله منكرا، لأن أهل الإيمان بالله يستنكرون فعلها، ويستعظمون ركوبها. وقوله: { وتؤمنون بالله } يعني: تصدقون بالله، فتخلصون له التوحيد والعبادة. فإن سأل سائل فقال: وكيف قيل: { كنتم خير أمة } وقد زعمت أن تأويل الآية أن هذه الأمة خير الأمم التي مضت، وإنما يقال: كنتم خير أمة، لقوم كانوا خيارا فتغيروا عما كانوا عليه؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما ذهبت إليه، وإنما معناه: أنتم خير أمة، كما قيل: { واذكروا إذ أنتم قليل } وقد قال في موضع آخر: { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } فإدخال «كان» في مثل هذا وإسقاطها بمعنى واحد، لأن الكلام معروف معناه. ولو قال أيضا في ذلك قائل: كنتم بمعنى التمام، كان تأويله: خلقتم خير أمة، أو وجدتم خير أمة، كان معنى صحيحا، وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى ذلك: كنتم خير أمة عند الله في اللوح المحفوظ أخرجت للناس، والقولان الأولان اللذان قلنا، أشبه بمعنى الخبر الذي رويناه قبل. وقال آخرون معنى ذلك: كنتم خير أهل طريقة، وقال: الأمة: الطريقة. القول في تأويل قوله تعالى: { ولو ءامن أهل الكتب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفسقون }. يعني بذلك تعالى ذكره: ولو صدق أهل التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاءهم به من عند الله ، لكان خيرا لهم عند الله في عاجل دنياهم، وآجل آخرتهم. { منهم المؤمنون } يعني من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، المؤمنون المصدقون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاءهم به من عند الله، وهم عبد الله بن سلام، وأخوه، وثعلبة بن سعية وأخوه، وأشباههم ممن آمنوا بالله، وصدقوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، واتبعوا ما جاءهم به من عند الله.
{ وأكثرهم الفسقون } يعني: الخارجون عن دينهم، وذلك أن من دين اليهود اتباع ما في التوراة، والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومن دين النصارى اتباع ما في الإنجيل، والتصديق به وبما في التوراة، وفي كلا الكتابين صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته، ومبعثه، وأنه نبي الله، وكلتا الفرقتين، أعني اليهود والنصارى مكذبة، فذلك فسقهم وخروجهم عن دينهم الذي يدعون أنهم يدينون به الذي قال جل ثناؤه { وأكثرهم الفسقون }. وقال قتادة بما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { منهم المؤمنون وأكثرهم الفسقون }: ذم الله أكثر الناس.
[3.111]
يعني بذلك جل ثناؤه: لن يضركم يا أهل الإيمان بالله ورسوله، هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب بكفرهم، وتكذيبهم نبيكم محمدا صلى الله عليه وسلم شيئا إلا أذى، يعني بذلك ولكنهم يؤذونكم بشركهم، وإسماعكم كفرهم، وقولهم في عيسى وأمه وعزير، ودعائهم إياكم إلى الضلالة، ولا يضرونكم بذلك، وهذا من الاستثناء المنقطع، الذي هو مخالف معنى ما قبله، كما قيل ما اشتكى شيئا إلا خيرا، وهذه كلمة محكية عن العرب سماعا. وبنحو ما قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { لن يضروكم إلا أذى } يقول: لن يضروكم إلا أذى تسمعونه منهم. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: { لن يضروكم إلا أذى } قال: أذى تسمعونه منهم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: { لن يضروكم إلا أذى } قال: إشراكهم في عزير وعيسى والصليب. حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: { لن يضروكم إلا أذى }... الآية، قال: تسمعون منهم كذبا على الله، يدعونكم إلى الضلالة. القول في تأويل قوله تعالى: { وإن يقتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون }. يعني بذلك جل ثناؤه: وإن يقاتلكم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، يهزموا عنكم، فيولوكم أدبارهم انهزاما، فقوله: { يولوكم الأدبار } كناية عن انهزامهم، لأن المنهزم يحول ظهره إلى جهة الطالب هربا إلى ملجأ، وموئل يئل إليه منه، خوفا على نفسه، والطالب في أثره، فدبر المطلوب حينئذ يكون محاذي وجه الطالب الهازمة. { ثم لا ينصرون } يعني: ثم لا ينصرهم الله أيها المؤمنون عليكم لكفرهم بالله ورسوله، وإيمانكم بما آتاكم نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الله عز وجل قد ألقى الرعب في قلوب كائدكم أيها المؤمنون بنصركم. وهذا وعد من الله تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان نصرهم على الكفرة من أهل الكتاب. وإنما رفع قوله: { ثم لا ينصرون } وقد جزم قوله: { يولوكم الأدبار } على جواب الجزاء ائتنافا للكلام، لأن رؤوس الآيات قبلها بالنون، فألحق هذه بها، قال:
ولا يؤذن لهم فيعتذرون
[المرسلات: 36] رفعا، وقد قال في موضع آخر:
لا يقضى عليهم فيموتوا
[فاطر: 36] إذ لم يكن رأس آية.
[3.112]
يعني بقول جل ثناؤه { ضربت عليهم الذلة } ألزموا الذلة، والذلة: الفعلة من الذل، وقد بينا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع. { أينما ثقفوا } يعني: حيثما لقوا. يقول جل ثناؤه: ألزم اليهود المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم الذلة أينما كانوا من الأرض، وبأي مكان كانوا من بقاعها من بلاد المسلمين والمشركين، إلا بحبل من الله، وحبل من الناس كما: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن في قوله: { ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وضربت عليهم المسكنة } قال: أدركتهم هذه الأمة، وإن المجوس لتجبيهم الجزية. حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قل: ثنا عباد ، عن الحسن في قوله: { ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس } قال: أذلهم الله فلا منعة لهم وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين. وأما الحبل الذي ذكره الله في هذا الموضع، فإنه السبب الذي يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين، وعلى أموالهم وذراريهم من عهد وأمان تقدم لهم عقده قبل أن يثقفوا في بلاد الإسلام. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { إلا بحبل من الله } قال: بعهد، { وحبل من الناس } قال: بعهدهم. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس } يقول: إلا بعهد من الله، وعهد من الناس. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد، عن عثمان بن غياث، قال عكرمة: يقول: { إلا بحبل من الله وحبل من الناس } قال: بعهد من الله، وعهد من الناس. حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { إلا بحبل من الله وحبل من الناس } يقول: إلا بعهد من الله، وعهد من الناس. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: { إلا بحبل من الله وحبل من الناس } يقول: إلا بعهد من الله، وعهد من الناس. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس } فهو عهد من الله، وعهد من الناس، كما يقول الرجل: ذمة الله، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو الميثاق. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال مجاهد: { أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس } قال: بعهد من الله، وعهد من الناس لهم.
Página desconocida