Tafsir al-Tabari
جامع البيان في تفسير القرآن
" والذي نفس محمد بيده، ليردن علي الحوض ممن صحبني أقوام، حتى إذا رفعوا إلي ورأيتهم اختلجوا دوني، فلأقولن رب أصحابي أصحابي، فليقالن إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك "
وقوله: { وأما الذين ابيضت وجوههم ففى رحمة الله } هؤلاء أهل طاعة الله والوفاء بعهد الله، قال الله عز وجل: { ففى رحمة الله هم فيها خلدون }. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمنكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } فهذا من كفر من أهل القبلة حين اقتتلوا. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن حماد بن سلمة والربيع بن صبيح، عن أبي مجالد، عن أبي أمامة: { فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمنكم } قال: هم الخوارج. وقال آخرون: عنى بذلك كل من كفر بالله بعد الإيمان الذي آمن حين أخذ الله من صلب آدم ذريته وأشهدهم على أنفسهم بما بين في كتابه. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا علي بن الهيثم، قال: أخبرنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، في قوله: { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } قال: صاروا يوم القيامة فريقين، فقال لمن اسود وجهه وعيرهم: { أكفرتم بعد إيمنكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } قال: هو الإيمان الذي كان قبل الاختلاف في زمان آدم، حين أخذ منهم عهدهم وميثاقهم، وأقروا كلهم بالعبودية، وفطرهم على الإسلام، فكانوا أمة واحدة مسلمين، يقول: أكفرتم بعد إيمانكم، يقول بعد ذلك الذي كان في زمان آدم، وقال في الآخرين: الذين استقاموا على إيمانهم ذلك، فأخلصوا له الدين والعمل، فبيض الله وجوههم، وأدخلهم في رضوانه وجنته.
وقال آخرون: بل الذين عنوا بقوله: { أكفرتم بعد إيمنكم }: المنافقون. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن: { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه }... الآية، قال: هم المنافقون كانوا أعطوا كلمة الإيمان بألسنتهم، وأنكروها بقلوبهم وأعمالهم. وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن أبي بن كعب أنه عنى بذلك جميع الكفار، وأن الإيمان الذي يوبخون على ارتدادهم عنه، هو الإيمان الذي أقروا به يوم قيل لهم: { ألست بربكم قالوا بلى شهدنا }. وذلك أن الله جل ثناؤه جعل جميع أهل الآخرة فريقين: أحدهما سوداء وجوهه، والآخر بيضاء وجوهه، فمعلوم إذ لم يكن هنالك إلا هذان الفريقان أن جميع الكفار داخلون في فريق من سود وجهه، وأن جميع المؤمنين داخلون في فريق من بيض وجهه، فلا وجه إذا لقول قائل عنى بقوله: { أكفرتم بعد إيمنكم } بعض الكفار دون بعض، وقد عم الله جل ثناؤه الخبر عنهم جميعهم، وإذا دخل جميعهم في ذلك ثم لم يكن لجميعهم حالة آمنوا فيها، ثم ارتدوا كافرين بعد إلا حالة واحدة، كان معلوما أنها المرادة بذلك. فتأويل الآية إذا: أولئك لهم عذاب عظيم في يوم تبيض وجوه قوم، وتسود وجوه آخرين فأما الذين اسودت وجوههم، فيقال: أجحدتم توحيد الله وعهده وميثاقه الذي واثقتموه عليه، بأن لا تشركوا به شيئا، وتخلصوا له العبادة بعد إيمانكم، يعني: بعد تصديقكم به، { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } يقول: بما كنتم تجحدون في الدنيا ما كان الله قد أخذ ميثاقكم بالإقرار به والتصديق وأما الذين ابيضت وجوههم ممن ثبت على عهد الله وميثاقه، فلم يبدل دينه، ولم ينقلب على عقبيه بعد الإقرار بالتوحيد، والشهادة لربه بالألوهة، وأنه لا إله غيره { ففى رحمة الله } يقول: فهم في رحمة الله، يعني في جنته ونعيمها، وما أعد الله لأهلها فيها، { هم فيها خلدون } أي باقون فيها أبدا بغير نهاية ولا غاية.
[3.108]
يعني بقوله جل ثناؤه: { تلك آيت الله }: هذه آيات الله وقد بينا كيف وضعت العرب «تلك» و«ذلك» مكان «هذا» و«هذه» في غير هذا الموضع فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته. وقوله: { آيت الله } يعني: مواعظ الله، وعبره وحججه. { نتلوها عليك } نقرؤها عليك ونقصها. { بالحق } يعني: بالصدق واليقين وإنما يعني بقوله: { تلك آيت الله } هذه الآيات التي ذكر فيها أمور المؤمنين من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمور يهود بني إسرائيل وأهل الكتاب، وما هو فاعل بأهل الوفاء بعهده وبالمبدلين دينه والناقضين عهده بعد الإقرار به. ثم أخبر عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أنه يتلو ذلك عليه بالحق وأعلمه أن من عاقبه من خلقه بما أخبر أنه معاقبه من تسويد وجهه وتخليده في أليم عذابه وعظيم عقابه ومن جازاه منهم بما جازاه من تبييض وجهه وتكريمه وتشريف منزلته لديه بتخليده في دائم نعيمه فبغير ظلم منه لفريق منهم بل لحق استوجبوه وأعمال لهم سلفت، جازاهم عليها، فقال تعالى ذكره: { وما الله يريد ظلما للعلمين } يعني بذلك: وليس الله يا محمد بتسويد وجوه هؤلاء، وإذاقتهم العذاب العظيم وتبييض وجوه هؤلاء، وتنعيمه إياهم في جنته، طالبا وضع شيء مما فعل من ذلك في غير موضعه الذي هو موضعه، إعلاما بذلك عباده ، أنه لن يصلح في حكمته بخلقه، غير ما وعد أهل طاعته والإيمان به، وغير ما أوعد أهل معصيته والكفر به، وإنذارا منه هؤلاء وتبشيرا منه هؤلاء.
[3.109]
يعني بذلك جل ثناؤه: أنه يعاقب الذين كفروا بعد إيمانهم بما ذكر أنه معاقبهم به من العذاب العظيم، وتسويد الوجوه، ويثيب أهل الإيمان به، الذين ثبتوا على التصديق والوفاء بعهودهم التي عاهدوا عليها، بما وصف أنه مثيبهم به، من الخلود في جناته، من غير ظلم منه لأحد الفريقين فيما فعل، لأنه لا حاجة به إلى الظلم، وذلك أن الظالم إنما يظلم غيره ليزداد إلى عزته عزة بظلمه إياه، وإلى سلطانه سلطانا، وإلى ملكه ملكا، لنقصان في بعض أسبابه، يتمم بما ظلم غيره فيه ما كان ناقصا من أسبابه عن التمام، فأما من كان له جميع ما بين أقطار المشارق والمغارب، وما في الدنيا والآخرة، فلا معنى لظلمه أحدا فيجوز أن يظلم شيئا، لأنه ليس من أسبابه شيء ناقص يحتاج إلى تمام، فيتم ذلك بظلم غيره، تعالى الله علوا كبيرا ولذلك قال جل ثناؤه عقيب قوله:
وما الله يريد ظلما للعلمين
[آل عمران: 108] { ولله ما فى السموات وما في الأرض وإلى الله ترجع الامور }. واختلف أهل العربية في وجه تكرير الله تعالى ذكره اسمه مع قوله: { وإلى الله ترجع الأمور } ظاهرا وقد تقدم اسمه ظاهرا مع قوله: { ولله ما فى السموات وما في الأرض } فقال بعض أهل العربية من أهل البصرة: ذلك نظير قول العرب: أما زيد فذهب زيد، وكما قال الشاعر:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء
Página desconocida