Tafsir al-Tabari
جامع البيان في تفسير القرآن
كل حي مستكمل عدة العم
ر ومود إذا انقضى أمده
يعني: غاية أجله. وقد: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي قوله: { وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } مكانا بعيدا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { أمدا بعيدا } قال: أجلا. حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عباد بن منصور ، عن الحسن في قوله: { وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } قال: يسر أحدهم أن لا يلقى عمله ذاك أبدا يكون ذلك مناه، وأما في الدنيا فقد كانت خطيئته يستلذها. القول في تأويل قوله تعالى: { ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد }. يقول جل ثناؤه: ويحذركم الله نفسه أن تسخطوها عليكم بركوبكم ما يسخطه عليكم، فتوافونه، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا، وهو عليكم ساخط، فينالكم من أليم عقابه ما لا قبل لكم به. ثم أخبر عز وجل أنه رؤوف بعباده رحيم بهم، ومن رأفته بهم تحذيره إياهم نفسه، وتخويفهم عقوبته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معاصيه. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو بن الحسن في قوله: { ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد } قال: من رأفته بهم أن حذرهم نفسه.
[3.31]
اختلف أهل التأويل في السبب الذي أنزلت هذه الآية فيه، فقال بعضهم: أنزلت في قوم قالوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: إنا نحب ربنا، فأمر الله جل وعز نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم:
" إن كنتم صادقين فيما تقولون فاتبعوني، فإن ذلك علامة صدقكم فيما قلتم من ذلك "
ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن عبد الله، عن بكر بن الأسود، قال: سمعت الحسن يقول: قال قوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد إنا نحب ربنا! فأنزل الله عز وجل: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم } فجعل اتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم علما لحبه، وعذاب من خالفه. حدثني المثنى، قال: ثنا علي بن الهيثم، قال: ثنا عبد الوهاب، عن أبي عبيدة، قال: سمعت الحسن، يقول: قال أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد إنا لنحب ربنا! فأنزل الله جل وعز بذلك قرآنا: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم } فجعل الله اتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم علما لحبه، وعذاب من خالفه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: { إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله } قال: كان قوم يزعمون أنهم يحبون الله، يقولون: إنا نحب ربنا، فأمرهم الله أن يتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم، وجعل اتباع محمد علما لحبه. حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: { إن كنتم تحبون الله }... الآية، قال: إن أقواما كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يزعمون أنهم يحبون الله، فأراد الله أن يجعل لقولهم تصديقا من عمل، فقال: { إن كنتم تحبون الله }... الآية. كان اتباع محمد صلى الله عليه وسلم تصديقا لقولهم. وقال آخرون: بل هذا أمر من الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول لوفد نجران الذين قدموا عليه من النصارى: إن كان الذي يقولونه في عيسى من عظيم القول إنما يقولونه تعظيما لله وحبا له، فاتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير. { قل إن كنتم تحبون الله } أي إن كان هذا من قولكم يعني في عيسى حبا لله وتعظيما له { فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم } أي ما مضى من كفركم { والله غفور رحيم }.
قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية، قول محمد بن جعفر بن الزبير، لأنه لم يجز لغير وفد نجران في هذه السورة، ولا قبل هذه الآية ذكر قوم ادعوا أنهم يحبون الله، ولا أنهم يعظمونه، فيكون قوله: { إن كنتم تحبون الله فاتبعونى } جوابا لقولهم على ما قاله الحسن. وأما ما روى الحسن في ذلك مما قد ذكرناه، فلا خبر به عندنا يصح، فيجوز أن يقال: إن ذلك كذلك، وإن لم يكن في السورة دلالة على أنه كما قال إلا أن يكون الحسن أراد بالقوم الذين ذكر أنهم قالوا ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران من النصارى، فيكون ذلك من قوله نظير إخبارنا، فإذا لم يكن بذلك خبر على ما قلنا، ولا في الآية دليل على ما وصفنا، فأولى الأمور بنا أن نلحق تأويله بالذي عليه الدلالة من آي السورة، وذلك هو ما وصفنا، لأن ما قبل هذه الآية من مبتدإ هذه السورة وما بعدها خبر عنهم، واحتجاج من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ودليل على بطول قولهم في المسيح، فالواجب أن تكون هي أيضا مصروفة المعنى إلى نحو ما قبلها، ومعنى ما بعدها. فإذ كان الأمر على ما وصفنا، فتأويل الآية: قل يا محمد للوفد من نصارى نجران: إن كنتم تزعمون أنكم تحبون الله، وأنكم تعظمون المسيح وتقولون فيه ما تقولون، حبا منكم ربكم، فحققوا قولكم الذي تقولونه، إن كنتم صادقين باتباعكم إياي، فإنكم تعلمون أني لله رسول إليكم، كما كان عيسى رسولا إلى من أرسل إليه، فإنه إن اتبعتموني وصدقتموني على ما أتيتكم به من عند الله، يغفر لكم ذنوبكم، فيصفح لكم عن العقوبة عليها ويعفو لكم عما مضى منها، فإنه غفور لذنوب عباده المؤمنين رحيم بهم وبغيرهم من خلقه.
[3.32]
يعني بذلك جل ثناؤه: قل يا محمد لهؤلاء الوفد من نصارى نجران: اطيعوا الله والرسول محمدا، فإنكم قد علمتم يقينا أنه رسولي إلى خلقي ابتعثته بالحق تجدونه مكتوبا عندكم في الإنجيل، { فإن تولوا } فاستدبروا عما دعوتهم إليه من ذلك، وأعرضوا عنه، فأعلمهم أن الله لا يحب من كفر بجحد ما عرف من الحق، وأنكره بعد علمه، وأنهم منهم بجحودهم نبوتك وإنكارهم الحق الذي أنت عليه بعد علمهم بصحة أمرك وحقيقة نبوتك. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: { قل أطيعوا الله والرسول } فأنتم تعرفونه يعني الوفد من نصارى نجران وتجدونه في كتابكم . { فإن تولوا } على كفرهم، { فإن الله لا يحب الكفرين }.
Página desconocida