640

[آل عمران: 15]. القول في تأويل قوله تعالى: { والمستغفرين بالأسحار }. اختلف أهل التأويل في القوم الذين هذه الصفة صفتهم، فقال بعضهم: هم المصلون بالأسحار. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { والمستغفرين بالأسحار } هم أهل الصلاة. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة: { والمستغفرين بالأسحار } قال: يصلون بالأسحار. وقال آخرون: هم المستغفرون. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن حريث بن أبي مطر، عن إبراهيم بن حاطب، عن أبيه، قال: سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: رب أمرتني فأطعتك، وهذا سحر فاغفر لي! فنظرت فإذا ابن مسعود. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: سألت عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن قول الله عز وجل: { والمستغفرين بالأسحار } قال: حدثني سليمان بن موسى، قال: ثنا نافع: أن ابن عمر كان يحيي الليل صلاة، ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فيقول: لا. فيعاود الصلاة، فإذا قلت: نعم، قعد يستغفر ويدعو حتى يصبح. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن بعض البصريين، عن أنس بن مالك قال: أمرنا أن نستغفر بالأسحار سبعين استغفارة. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: ثنا أبو يعقوب الضبي، قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: من صلى من الليل ثم استغفر في آخر الليل سبعين مرة كتب من المستغفرين بالأسحار.

وقال آخرون: هم الذين يشهدون الصبح في جماعة. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسماعيل بن مسلمة أخو القعنبي قال: ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، قال: قلت لزيد بن أسلم من المستغفرين بالأسحار؟ قال: هم الذين يشهدون الصبح. وأولى هذه الأقوال بتأويل قوله: { والمستغفرين بالأسحار } قول من قال: هم السائلون ربهم أن يستر عليهم فضيحتهم بها بالأسحار، وهي جمع سحر. وأظهر معاني ذلك أن تكون مسألتهم إياه بالدعاء، وقد يحتمل أن يكون معناه: تعرضهم لمغفرته بالعمل والصلاة، غير أن أظهر معانيه ما ذكرنا من الدعاء.

[3.18]

يعني بذلك جل ثناؤه: شهد الله أنه لا إله إلا هو، وشهدت الملائكة، وأولو العلم. فالملائكة معطوف بهم على اسم الله، و«أنه» مفتوحة بشهد. وكان بعض البصريين يتأول قوله شهد الله: قضى الله، ويرفع «الملائكة»، بمعنى: والملائكة شهود وأولو العلم. وهكذا قرأت قراء أهل الإسلام بفتح الألف من أنه على ما ذكرت من إعمال «شهد» في «أنه» الأولى وكسر الألف من «إن» الثانية وابتدائها، سوى أن بعض المتأخرين من أهل العربية كان يقرأ ذلك جميعا بفتح ألفيهما، بمعنى: شهد الله أنه لا إله إلا هو، وأن الدين عند الله الإسلام، فعطف بأن الدين على «أنه» الأولى، ثم حذف واو العطف وهي مرادة في الكلام. واحتج في ذلك بأن ابن عباس قرأ ذلك: «شهد الله إنه لا إله إلا هو»... الآية، ثم قال:

إن الدين

[آل عمران: 19] بكسر «إن» الأولى وفتح «أن» الثانية بإعمال «شهد» فيها، وجعل «أن» الأولى اعتراضا في الكلام غير عامل فيها «شهد» وأن ابن مسعود قرأ: { شهد الله أنه لا إله إلا هو } بفتح «أن»، وكسر «إن» من:

إن الدين عند الله الإسلام

[آل عمران: 19] على معنى إعمال الشهادة في «أن» الأولى و«أن» الثانية مبتدأة، فزعم أنه أراد بقراءته إياهما بالفتح جمع قراءة ابن عباس وابن مسعود. فخالف بقراءته ما قرأ من ذلك على ما وصفت جميع قراء أهل الإسلام المتقدمين منهم والمتأخرين، بدعوى تأويل على ابن عباس وابن مسعود زعم أنهما قالاه وقرآ به، وغير معلوم ما ادعى عليهما برواية صحيحة، ولا سقيمة. وكفى شاهدا على خطإ قراءته خروجها من قراءة أهل الإسلام. فالصواب إذ كان الأمر على ما وصفنا من قراءة ذلك فتح الألف من «أنه» الأولى، وكسر الألف من «إن» الثانية، أعني من قوله:

إن الدين عند الله الإسلام

[آل عمران: 19] ابتداء. وقد روي عن السدي في تأويل ذلك قول كالدال على تصحيح ما قرأ به في ذلك من ذكرنا قوله من أهل العربية في فتح «أن» من قوله:

Página desconocida