614

حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، قال: زعم السدي أن هذه الآية حين نزلت: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } قال له جبريل صلى الله عليه وسلم فقل ذلك يا محمد. إن قال لنا قائل: وهل يجوز أن يؤاخذ الله عز وجل عباده بما نسوا أو أخطؤا فيسألوه أن لا يؤاخذهم بذلك؟ قيل: إن النسيان على وجهين: أحدهما: على وجه التضييع من العبد والتفريط والآخر: على وجه عجز الناسي عن حفظ ما استحفظ، ووكل به وضعف عقله عن احتماله، فأما الذي يكون من العبد على وجه التضييع منه والتفريط، فهو ترك منا لما أمر بفعله، فذلك الذي يرغب العبد إلى الله عز وجل في تركه مؤاخذته به، وهو النسيان الذي عاقب الله عز وجل به آدم صلوات الله عليه، فأخرجه من الجنة، فقال في ذلك:

ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما

[طه: 115] وهو النسيان الذي قال جل ثناؤه:

فاليوم ننسهم كما نسوا لقاء يومهم هذا

[الأعراف: 51] فرغبة العبد إلى الله عز وجل بقوله: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } فيما كان من نسيان منه لما أمر بفعله على هذا الوجه الذي وصفنا ما لم يكن تركه ما ترك من ذلك تفريطا منه فيه وتضييعا، كفرا بالله عز وجل، فإن ذلك إذا كان كفرا بالله فإن الرغبة إلى الله في تركه المؤاخذة به غير جائزة، لأن الله عز وجل قد أخبر عباده أنه لا يغفر لهم الشرك به، فمسألته فعل ما قد أعلمهم أنه لا يفعله خطأ، وإنما يكون مسألته المغفرة فيما كان من مثل نسيانه القرآن بعد حفظه بتشاغله عنه، وعن قراءته، ومثل نسيانه صلاة أو صياما، باشتغاله عنهما بغيرهما حتى ضيعهما. وأما الذي العبد به غير مؤاخذ لعجز بنيته عن حفظه، وقلة احتمال عقله ما وكل بمراعاته، فإن ذلك من العبد غير معصية، وهو به غير آثم، فذلك الذي لا وجه لمسألة العبد ربه أن يغفره له، لأنه مسألة منه له أن يغفر له ما ليس له بذنب، وذلك مثل الأمر يغلب عليه، وهو حريص على تذكره وحفظه، كالرجل يحرص على حفظ القرآن بجد منه، فيقرؤه ، ثم ينساه بغير تشاغل منه بغيره عنه، ولكن بعجز بنيته عن حفظه وقلة احتمال عقله، ذكر ما أودع قلبه منه، وما أشبه ذلك من النسيان، فإن ذلك مما لا يجوز مسألة الرب مغفرته، لأنه لا ذنب للعبد فيه، فيغفر له باكتسابه.

وكذلك للخطأ وجهان: أحدهما: من وجه ما نهي عنه العبد فيأتيه بقصد منه وإرادة، فذلك خطأ منه، وهو به مأخوذ، يقال منه: خطىء فلان وأخطأ فيما أتى من الفعل، وأثم إذا أتى ما يتأثم فيه وركبه، ومنه قول الشاعر:

الناس يلحون الأمير إذا هم

خطئوا الصواب ولا يلام المرشد

يعني: أخطأوا الصواب. وهذا الوجه الذي يرغب العبد إلى ربه في صفح ما كان منه من إثم عنه، إلا ما كان من ذلك كفرا. والآخر منهما: ما كان عنه على وجه الجهل به والظن منه، بأن له فعله، كالذي يأكل في شهر رمضان ليلا، وهو يحسب أن الفجر لم يطلع، أو يؤخر صلاة في يوم غيم وهو ينتظر بتأخيره إياها دخول وقتها فيخرج وقتها وهو يرى أن وقتها لم يدخل، فإن ذلك من الخطأ الموضوع عن العبد الذي وضع الله عز وجل عن عباده الإثم فيه، فلا وجه لمسألة العبد ربه أن يؤاخذه به، وقد زعم قوم أن مسألة العبد ربه أن لا يؤاخذه بما نسي أو أخطأ، إنما هو فعل منه لما أمره به ربه تبارك وتعالى، أو لما ندبه إليه من التذلل له والخضوع بالمسألة، فأما على وجه مسألته الصفح، فما لا وجه له عندهم وللبيان عن هؤلاء كتاب سنأتي فيه إن شاء الله على ما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه. القول في تأويل قوله تعالى: { ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا }. يعني بذلك جل ثناؤه: قولوا: ربنا لا تحمل علينا إصرا: يعني بالإصر: العهد، كما قال جل ثناؤه: { قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى }. وإنما عنى بقوله: { ولا تحمل علينا إصرا }: ولا تحمل علينا عهدا، فنعجز عن القيام به ولا نستطيعه، { كما حملته على الذين من قبلنا } يعني على اليهود والنصارى الذين كلفوا أعمالا وأخذت عهودهم ومواثيقهم على القيام بها، فلم يقوموا بها، فعوجلوا بالعقوبة. فعلم الله عز وجل أمة محمد صلى الله عليه وسلم الرغبة إليه بمسألته أن لا يحملهم من عهوده ومواثيقه على أعمال إن ضيعوها أو أخطأوا فيها أو نسوها مثل الذي حمل من قبلهم، فيحل بهم بخطئهم فيه وتضييعهم إياه مثل الذي أحل بمن قبلهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { لا تحمل علينا إصرا } قال: لا تحمل علينا عهدا وميثاقا، { كما حملته على الذين من قبلنا } يقول: كما غلظ على من قبلنا. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن موسى بن قيس الحضرمي، عن مجاهد في قوله: { ولا تحمل علينا إصرا } قال: عهدا. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { إصرا } قال: عهدا. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: { إصرا } يقول: عهدا. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } والإصر: العهد الذي كان على من قبلنا من اليهود. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: { ولا تحمل علينا إصرا } قال: عهدا لا نطيقه، ولا نستطيع القيام به، { كما حملته على الذين من قبلنا } اليهود والنصارى، فلم يقوموا به فأهلكتهم. حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: { إصرا } قال: المواثيق. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: الإصر: العهد { وأخذتم على ذلكم إصرى } قال: عهدي. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:

Página desconocida