Tafsir al-Tabari
جامع البيان في تفسير القرآن
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ليث، عن مجاهد في قوله: { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال: إذا كانت شهادة فأقمها، فإذا دعيت لتشهد، فإن شئت فاذهب، وإن شئت فلا تذهب. حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا عبد الملك بن الصباح، عن عمران بن حدير، قال: قلت لأبي مجلز: ناس يدعونني لأشهد بينهم، وأنا أكره أن أشهد بينهم؟ قال: دع ما تكره، فإذا شهدت فأجب إذا دعيت. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر، قال: الشاهد بالخيار ما لم يشهد. حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا هشيم، عن يونس، عن عكرمة في قوله: { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال: لإقامة الشهادة. حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن أبي عامر، عن عطاء قال: في إقامة الشهادة. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا أبو عامر المزني، قال: سمعت عطاء يقول: ذلك في إقامة الشهادة، يعني قوله: { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا }. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو مرة، أخبرنا عن الحسن أنه سأله سائل قال: أدعى إلى الشهادة وأنا أكره أن أشهد عليها؟ قال: فلا تجب إن شئت. حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، قال: سألت إبراهيم قلت: أدعى إلى الشهادة وأنا أخاف أن أنسى؟ قال: فلا تشهد إن شئت. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عامر، عن عطاء، قال: للإقامة . حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير: { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال: إذا كانوا قد شهدوا. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن سالم، عن سعيد: { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال: هو الذي عنده الشهادة. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي قوله: { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } يقول: لا يأب الشاهد أن يتقدم فيشهد إذا كان فارغا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا }؟ قال: هم الذين قد شهدوا. قال: ولا يضر إنسانا أن يأبى أن يشهد إن شاء. قلت لعطاء: ما شأنه؟ إذا دعي أن يكتب وجب عليه أن لا يأبى، وإذا دعي أن يشهد لم يجب عليه أن يشهد إن شاء؟ قال: كذلك يجب على الكاتب أن يكتب، ولا يجب على الشاهد أن يشهد إن شاء الشهداء كثير. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال: إذا شهد فلا يأب إذا دعي أن يأتي يؤدي شهادة ويقيمها.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ولا يأب الشهداء } قال: كان الحسن يتأولها إذا كانت عنده شهادة فدعى ليقيمها. حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال: إذا كتب الرجل شهادته، أو أشهد لرجل فشهد، والكاتب الذي يكتب الكتاب دعوا إلى مقطع الحق، فعليهم أن يجيبوا، وأن يشهدوا بما أشهدوا عليه. وقال آخرون: هو أمر من الله عز وجل والمرأة بالإجابة إذا دعي ليشهد على ما لم يشهد عليه من الحقوق ابتداء لا إقامة الشهادة، ولكنه أمر ندب لا فرض. ذكر من قال ذلك: حدثني أبو العالية العبدي إسماعيل بن الهيثم، قال: ثنا أبو قتيبة ، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي في قوله: { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال: أمرت أن تشهد، فإن شئت فاشهد، وإن شئت فلا تشهد. حدثني أبو العالية، قال: ثنا أبو قتيبة، عن محمد بن ثابت العصري، عن عطاء، بمثله. وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا يأب الشهداء من الإجابة إذا دعوا لإقامة الشهادة وأدائها عند ذي سلطان أو حاكم يأخذ من الذي عليه ما عليه للذي هو له. وإنما قلنا هذا القول بالصواب أولى في ذلك من سائر الأقوال غيره، لأن الله عز وجل قال: { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } فإنما أمرهم بالإجابة للدعاء للشهادة وقد ألزمهم اسم الشهداء، وغير جائز أن يلزمهم اسم الشهداء إلا وقد استشهدوا قبل ذلك، فشهدوا على ما ألزمهم شهادتهم عليه اسم الشهداء، فأما قبل أن يستشهدوا على شيء فغير جائز أن يقال لهم شهداء، لأن ذلك الاسم لو كان يلزمهم ولما يستشهدوا على شيء يستوجبون بشهادتهم عليه هذا الاسم لم يكن على الأرض أحد له عقل صحيح إلا وهو مستحق أن يقال له شاهد، بمعنى أنه سيشهد، أو أنه يصلح لأن يشهد وإن كان خطأ أن يسمى بذلك الاسم إلا من عنده شهادة لغيره، أو من قد قام بشهادته، فلزمه لذلك هذا الاسم كان معلوما أن المعني بقوله: { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } من وصفنا صفته ممن قد استرعى شهادة أو شهد، فدعي إلى القيام بها، لأن الذي لم يستشهد ولم يسترع شهادة قبل الإشهاد غير مستحق اسم شهيد ولا شاهد، لما قد وصفنا قبل. مع أن في دخول الألف واللام في «الشهداء» دلالة واضحة على أن المسمى بالنهي عن ترك الإجابة للشهادة أشخاص معلومون قد عرفوا بالشهادة، وأنهم الذين أمر الله عز وجل أهل الحقوق باستشهادهم بقوله: { واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء }.
وإذا كان ذلك كذلك، كان معلوما أنهم إنما أمروا بإجابة داعيهم لإقامة شهادتهم بعد ما استشهدوا فشهدوا ولو كان ذلك أمرا لمن أعرض من الناس فدعي إلى الشهادة يشهد عليها لقيل: ولا يأب شاهد إذا ما دعي. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن الذي نقول به في الذي يدعى لشهادة ليشهد عليها إذا كان بموضع ليس به سواه ممن يصلح للشهادة، فإن الفرض عليه إجابة داعيه إليها كما فرض على الكاتب إذا استكتب بموضع لا كاتب به سواه، ففرض عليه أن يكتب، كما فرض على من كان بموضع لا أحد به سواه يعرف الإيمان وشرائع الإسلام، فحضره جاهل بالإيمان وبفرائض الله فسأله تعليمه، وبيان ذلك له أن يعلمه ويبينه له. ولم نوجب ما أوجبنا على الرجل من الإجابة للشهادة إذا دعي ابتداء ليشهد على ما أشهد عليه بهذه الآية، ولكن بأدلة سواها، وهي ما ذكرنا. وقد فرضنا على الرجل إحياء ما قدر على إحيائه من حق أخيه المسلم. والشهداء: جمع شهيد. القول في تأويل قوله تعالى: { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب }. يعني بذلك جل ثناؤه: ولا تسأموا أيها الذين تداينون الناس إلى أجل أن تكتبوا صغير الحق، يعني قليله أو كبيره يعني أو كثيره { إلى أجله } ، إلى أجل الحق، فإن الكتاب أحصى للأجل والمال. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن شريك عن ليث، عن مجاهد: { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب } قال: هو الدين. ومعنى قوله: { ولا يأب } لا تملوا، يقال منه: سئمت فأنا أسأم سآمة وسأمة، ومنه قول لبيد:
ولقد سئمت من الحياة وطولها
وسؤال هذا الناس: كيف لبيد
ومنه قول زهير:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
يعني مللت. وقال بعض نحويي البصريين: تأويل قوله: { إلى أجله } إلى أجل الشاهد، ومعناه: إلى الأجل الذي تجوز شهادته فيه. وقد بينا القول فيه. القول في تأويل قوله تعالى: { ذلكم أقسط عند الله }. يعني جل ثناؤه بقوله: ذلكم اكتتاب كتاب الدين إلى أجله، ويعني بقوله أقسط: أعدل عند الله، يقال منه: أقسط الحاكم فهو يقسط إقساطا وهو مقسط، إذا عدل في حكمه، وأصاب الحق فيه، فإذا جار قيل: قسط فهو يقسط قسوطا، ومنه قول الله عز وجل: { وأما القسطون فكانوا لجهنم حطبا } يعني الجائرون. وبمثل ما قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي قوله: { ذلكم أقسط عند الله } يقول: أعدل عند الله.
القول في تأويل قوله تعالى: { وأقوم للشهدة }. يعني بذلك جل ثناؤه: وأصوب للشهادة. وأصله من قول القائل: أقمته من عوجه، إذا سويته فاستوى. وإنما كان الكتاب أعدل عند الله وأصوب لشهادة الشهود على ما فيه، لأنه يحوي الألفاظ التي أقر بها البائع والمشتري ورب الدين والمستدين على نفسه، فلا يقع بين الشهود اختلاف في ألفاظهم بشهادتهم لاجتماع شهادتهم على ما حواه الكتاب، وإذا اجتمعت شهادتهم على ذلك، كان فصل الحكم بينهم أبين لمن احتكم إليه من الحكام، مع غير ذلك من الأسباب، وهو أعدل عند الله، لأنه قد أمر به، واتباع أمر الله لا شك أنه عند الله أقسط وأعدل من تركه والانحراف عنه. القول في تأويل قوله تعالى: { وأدنى أن لا ترتابوا }. يعني جل ثناؤه بقوله: { وأدنى } وأقرب، من الدنو: وهو القرب. ويعني بقوله: { أن لا ترتابوا } من أن لا تشكوا في الشهادة. كما: حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ذلك أدنى أن لا ترتابوا } يقول: أن لا تشكوا في الشهادة. وهو تفتعل من الريبة. ومعنى الكلام: ولا تملوا أيها القوم أن تكتبوا الحق الذي لكم قبل من داينتموه من الناس إلى أجل صغيرا كان ذلك الحق، قليلا أو كثيرا، فإن كتابكم ذلك أعدل عند الله وأصوب لشهادة شهودكم عليه، وأقرب لكم أن لا تشكوا فيما شهد به شهودكم عليكم من الحق والأجل إذا كان مكتوبا. القول في تأويل قوله تعالى: { إلا أن تكون تجرة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها }. ثم استثنى جل ذكره مما نهاهم عنه أن يسأموه من اكتتاب كتب حقوقهم على غرمائهم بالحقوب التي لهم عليهم، ما وجب لهم قبلهم من حق عن مبايعة بالنقود الحاضرة يدا بيد، فرخص لهم في ترك اكتتاب الكتب بذلك لأن كل واحد منهم، أعني من الباعة والمشترين، يقبض إذا كان التواجب بينهم فيما يتبايعونه بعد ما وجب له قبل مبايعيه قبل المفارقة، فلا حاجة لهم في ذلك إلى اكتتاب أحد الفريقين على الفريق الآخر كتابا بما وجب لهم قبلهم وقد تقابضوا الواجب لهم عليهم، فلذلك قال تعالى ذكره: { إلا أن تكون تجرة حاضرة تديرونها بينكم } لا أجل فيها ولا تأخير ولا نساء، { فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها } يقول: فلا حرج عليكم أن لا تكتبوها، يعني التجارة الحاضرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي قوله: { إلا أن تكون تجرة حاضرة تديرونها بينكم } يقول: معكم بالبلد ترونها فتؤخذ وتعطى، فليس على هؤلاء جناح أن لا يكتبوها.
Página desconocida