589

القول في تأويل قوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربوا }. يعني بذلك جل ثناؤه: ذلك الذي وصفهم به من قيامهم يوم القيامة من قبورهم كقيام الذي يتخبطه الشيطان من المس من الجنون، فقال تعالى ذكره هذا الذي ذكرنا أنه يصيبهم يوم القيامة من قبح حالهم ووحشة قيامهم من قبورهم وسوء ما حل بهم من أجل أنهم كانوا في الدنيا يكذبون ويفترون ويقولون إنما البيع الذي أحله الله لعباده مثل الربا، وذلك أن الذين كانوا يأكلون من الربا من أهل الجاهلية، كان إذا حل مال أحدهم على غريمه يقول الغريم لغريم الحق زدني في الأجل وأزيدك في مالك، فكان يقال لهما إذا فعلا ذلك: هذا ربا لا يحل، فإذا قيل لهما ذلك، قالا: سواء علينا زدنا في أول البيع أو عند محل المال فكذبهم الله في قيلهم، فقال: { وأحل الله البيع }. القول في تأويل قوله تعالى: { وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحب النار هم فيها خلدون }. يعني جل ثناؤه: وأحل الله الأرباح في التجارة والشراء والبيع، وحرم الربا يعني الزيادة التي يزاد رب المال بسبب زيادته غريمه في الأجل، وتأخيره دينه عليه. يقول عز وجل: وليست الزيادتان اللتان إحداهما من وجه البيع، والأخرى من وجه تأخير المال والزيادة في الأجل سواء، وذلك أني حرمت إحدى الزيادتين، وهي التي من وجه تأخير المال والزيادة في الأجل وأحللت الأخرى منهما، وهي التي من وجه الزيادة على رأس المال الذي ابتاع به البائع سلعته التي يبيعها فيستفضل فضلها، فقال الله عز وجل ليست الزيادة من وجه البيع نظير الزيادة من وجه الربا، لأني أحللت البيع، وحرمت الربا، والأمر أمري والخلق خلقي، أقضي فيهم ما أشاء، وأستعبدهم بما أريد، ليس لأحد منهم أن يعترض في حكمي، ولا أن يخالف أمري، وإنما عليهم طاعتي والتسليم لحكمي. ثم قال جل ثناؤه: { فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى } يعني بالموعظة: التذكير والتخويف الذي ذكرهم وخوفهم به في آي القرآن، وأوعدهم على أكلهم الربا من العقاب، يقول جل ثناؤه: فمن جاءه ذلك فانتهى عن أكل الربا، وارتدع عن العمل به، وانزجر عنه { فله ما سلف } يعني ما أكل، وأخذ فمضى قبل مجيء الموعظة والتحريم من ربه في ذلك { وأمره إلى الله } يعني وأمر آكله بعد مجيئه الموعظة من ربه والتحريم، وبعد انتهاء آكله عن أكله إلى الله في عصمته وتوفيقه، إن شاء عصمه عن أكله وثبته في انتهائه عنه، وإن شاء خذله عن ذلك.

{ ومن عاد } يقول: ومن عاد لأكل الربا بعد التحريم، وقال ما كان يقوله قبل مجيء الموعظة من الله بالتحريم من قوله: { إنما البيع مثل الربوا } { فأولئك أصحب النار هم فيها خلدون } يعني ففاعلو ذلك وقائلوه هم أهل النار، يعني نار جهنم فيها خالدون. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال ثنا أسباط، عن السدي: { فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله } أما الموعظة فالقرآن، وأما ما سلف فله ما أكل من الربا.

[2.276]

يعني عز وجل بقوله: { يمحق الله الربوا }: ينقص الله الربا فيذهبه. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: { يمحق الله الربوا } قال: ينقص. وهذا نظير الخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" الربا وإن كثر فإلى قل "

وأما قوله: { ويربى الصدقت } فإنه جل ثناؤه يعني: أنه يضاعف أجرها لربها، وينميها له. وقد بينا معنى الربا قبل والإرباء وما أصله، بما فيه الكفاية من إعادته. فإن قال لنا قائل: وكيف إرباء الله الصدقات؟ قيل: إضعافه الأجر لربها، كما قال جل ثناؤه:

مثل الذين ينفقون أمولهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة

[البقرة: 261] وكما قال:

من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة

[البقرة: 245]. وكما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا عباد بن منصور، عن القاسم أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

Página desconocida